Sunday, November 8, 2009

جورج حبش ,حكاية وطن...شهادات


صدر مؤخراًعن مؤسسة الهدف للنشر والتوثيق،كتاب ألحكيم جورج حبش ,حكاية وطن...شهادات وهو كتاب تذكاري مكرس لإحياء ذكرى القائد الكبير جورج حبش، ويمثل هذا الكتاب سعي من رفاق الراحل الكبير، لايجاد ما يمكن أن يكون تخليد ذكراه،ولا شئ يمكن أن يكون, عبر ما يقوله عنه رفاق دربة، أصدقاء ونقاد، ومحاورون صاغوا كلماتهم بهدوء ما بعد صدمة الرحيل، لتأتي شهادة حق، شهادة ضمير لرجل كان ضميراً، وكان مقاتلاً في سبيل الحق
وقد جاء الكتاب في خمسة أبواب و٣٦٥ صفحة، أضيفت إليها مقدمة وملحق السيرة الذاتية، وملحق صور

Sunday, October 25, 2009

مقدمة كتاب جورج حبش : الثوريون لا يموتون أبداً



انيس صايغ
أعترف بأني أشعر بشيء من الرهبة التي تبعث بعضاً من تحفّظ وتردّد وأنا أشرع في كتابة هذا التقديم لمذكرات جورج حبش. إنه أشبه بورع المؤمن حينما يلج مصلّى للتعبّد. حيث يتضاءل الإنسان ويكاد يتلاشى بفعل ما يسمع من ترتيل وتكبير ودعاء، وما يحيط به من خشوع وتقوى. هذا ما يفعله عالم جورج حبش بالمرء الذي يحاول أن يسبر غور هذا العالم وأن يتعرّف إليه وأن يُعرّف غيره به. فجورج حبش، من بين المئات من زملائه ورفاقه في مراكز القيادة في دنيا العرب، ومن بين عشرات الآلاف من مناضلي شعبه على مدى قرن من الزمان، معلمٌ بارز ومنارة متميّزة، بل هو ظاهرة فريدة أضاءت لمرحلة طويلة من تاريخنا القومي، والنضالي خاصة، المعاصر، وبنت حولها هيكلاً شامخاً يلتحق به ويعمّره ويخصّبه ويطوّره كل من استنار بفكر حبش وتدرّب على أسلوبه ودرس تجربته واعتنق دعوته ورفع رايته وشارك في حمل رسالته. إنه هيكل حاول المؤسّس القائد أن يحفظ له نقاوته ويصون براءته ويرسّخ مصداقيته، مقارنة مع هياكل وبيوت نضال حوّلها بعض مؤسّسيها أو قادتها أو الدخلاء عليها إلى مغارات للّصوص وتجار المبادئ ومزوّري الشعارات. غير أني لا أقدّم لكتاب عن رجل اسمه جورج حبش بل لمذكرات قيّمة لهذا الرجل الذي كُتب عنه الكثير في مدى نصف قرن وما زال حتى اليوم يستحق أن يحظى بكثير آخر من الكتابات والمعالجات ومحاولات التعرف إليه والتعريف به. وأنا أحرص على أن أدعوها «مذكّرات» وإن كانت نوعاً غير مألوف كثيراً من المذكّرات. صحيح أن صاحبها لم يسجّلها بنفسه، ولا اختار هو بالذات موضوعاتها وحلقاتها، بل كانت مادّتها إجابات عن أسئلة طرحها غيره عليه (وغيره، في هذه الحالة، صحافي أجنبي). لكنّ أحاديثه هذه، وإجاباته عن أسئلة الصحافي واستفساراته، جاءت عفوية وشاملة وصادقة لا تقلّ في قيمتها وصدقيّتها وأثرها عن صفحات أيّ سيرة ذاتية ومذكّرات شخصيّة. والخوف الذي ينتاب المرء أحياناً حينما يقرأ هذا النوع من المذكّرات (ولنسمِّه المذكّرات غير المباشرة) إنما مبعثه أن يكون الكاتب/المحرّر الذي قام بالتسجيل قد تلاعب بردود محدّثه محور المقابلة (أو قد زوّر أو بدّل أو أضاف أو حذف، وغير ذلك من ألوان التدخّل المرفوض والمسيء إلى كلٍّ من صاحب السيرة والقارئ، وإلى علم التاريخ ومصداقيّة التوثيق). وكذلك أن يكون المحرّر قد فرض على صاحب السيرة أسئلة معيّنة وتجنّب نواحي أخرى من حياته، عن جهل أو سوء نيّة، ولا فرق بين الاثنين من الناحية العملية. لكنّ هذين المحظورين الخطِرين والخطيرين سقطا هنا في حال كتابنا هذا. فمن الجهة الأولى انكبّ الصحافي (وهو خبير إلى حدّ ما في الشؤون العربية مع أنه أجنبي) على دراسة المرحلة الحاضرة من تاريخنا المعاصر، الفلسطيني والعربي، عموماً، وعلى دور حبش، وحركته القومية العربية وجبهته الشعبية الفلسطينية، في أحداث هذا التاريخ المعاصر، وعلى تأثير حبش في الأحداث المتعاقبة، وعلى انعكاسات هذه الأحداث على الرجل وحركته وجبهته. وكانت محاور المقابلات التي تضمّنها هذا الكتاب (وقد استغرقت أكثر من تسعين ساعة) تشمل كل الوقائع التي كان لحبش دور مباشر فيها، وجاء الكتاب، بالتالي، سجلاً تاريخياً كاملاً لعالم جورج حبش وسيرته النضالية. وحرص جورج حبش في الأشهر القليلة التي امتدّت بين عقد هذه المقابلات ورحيله (كما حرصت أسرته من بعد رحيله: زوجته وابنتاه اللواتي رافقن من قبل جلسات الحوار الطويلة مع صاحب السيرة) على التدقيق المعمّق المضني في الصيغة التي جاءت بها الأحاديث على صفحات الكتاب مع الصيغة الأصلية المسجّلة على الأشرطة. وهكذا يسقط أي زعم (وقد يكون زعماً مغرضاً يُساء به إلى صاحب السيرة أو إلى محرّرها) بأن المادة ليست مذكرات بالمعنى الضيّق لأن الكاتب هو صحافي أجنبي وليس صاحب السيرة نفسه. والواقع أنه إذا كانت المقابلات قد استغرقت أكثر من تسعين ساعة فإن التدقيق والتفحّص قد استغرقا مئات الساعات. حتى أنني أستطيع أن أؤكد هنا أنّ ردود حبش على الأسئلة التي وجّهت إليه هي صحيحة مئة في المئة، وهي تنطبق تماماً على ما أراد صاحبها أن يقول معبّراً به عن أفكاره ومواقفه. حتى أصبح من المبرَّر أن نزعم أن محتويات الكتاب تتساوى تماماً مع أيّة سيرة ذاتية يسجّلها صاحبها، سواء من حيث المصداقية أو من حيث الشمول والإحاطة التامة بحياة إنسان تشعّبت مجاريها وتعدّدت اهتماماتها وحفلت أيامها ولياليها بالعطاء والجهد والأثر، سواء على الصعيد الشخصي لصاحبها وأسرته أو على الصعيد الوطني والقومي العام. مع الإشارة هنا إلى أن الحوار الذي جرى إنما كان آخر أحاديث حبش قبل رحيله. وهذا الأمر يجعل الكتاب أكمل من أي كتاب آخر في حياة حبش ... لا شك في أن القارئ أخذ ويأخذ فكرة جيّدة عن جورج حبش في قراءاته عشرات المطبوعات السابقة. إنه يتعرّف من خلالها إلى تاريخه الشخصي وعلاقاته بأحداث بلده وأمّته، فلسطينياً وعربياً. ويتعرف كذلك إلى جهوده وأعماله ونضاله السياسي والتنظيمي والحزبي والمجتمعي، وإلى المؤسس والقائد والرمز والطبيب والمنظّم والمحاور وغير ذلك

إن كلاًّ من تلك الصفحات يظهر بشكل أو بآخر في هذا الكتاب أو ذاك من بين آلاف الصفحات التي تناولت جورج حبش. غير أنني أعتقد أن جورج حبش الإنسان، الإنسان بكل ما في الكلمة من معنى سامٍ ورفيع، لا نراه مثلما نراه ونتعرف إليه في مذكراته التي بين أيدينا: ليس الإنسان السياسي والمناضل والمفكر والقائد فقط بل الإنسان الذي صبغ السياسي والمناضل والمفكر والقائد بصبغة خاصة من الإنسانية، أو الأنسنة الخاصة التي يتميّز بها عن سائر زملائه من السياسيين والمناضلين والمفكرين والقادة. إن جوهر الإنسان في جورج حبش هو الحب: حبّ الآخرين، حبّ الغير. ذلك الحب الذي يتحوّل تلقائياً إلى تفانٍ في خدمة الآخرين واستعداد للبذل والعطاء المستمرَّين، بكرم وطيب خاطر وتضحية بدون حساب، وإلى اعتبار الآخرين في رأس أولويات الحياة وإيثارهم بالعطاء والاهتمام ولو على حسابه الخاص، الشخصي والعائلي الضيّق والواسع. فلا المنصب ولا المركز أو الموقع، ولا سعة العيش ورغدها، تسمح له بأن يحيل الآخر فصيلاً كان أو شعباً أو طبقة أو قضية إلى درجة ثانية أو مؤجّلة إلى أن يحقق شؤونه الخاصة

حياة جورج حبش هي سلسلة من الأعمال الشاقّة على طريق النضال من أجل مبادئ معيّنة: تحرير فلسطين ووحدة العرب ورفاهية المجتمع، ومقاومة العدو (صهيونياً كان أو استعمارياً، أو عميلاً عربياً أو فلسطينياً، أو مستغلاً أو مستبداً أو ظالماً محلياً). على هذا الدرب النضالي يهون السجن والاعتقال والتشرّد، وتصبح حماية الوطن وصيانة القضية أهم بكثير من حماية الذات والأشخاص. وشرط هذا الاستعداد لبذل التضحيات المتواصلة أن يتمّ بلا شكوى ولا تذمّر ولا أنين ولا عتب ولا نفاد صبر. جورج حبش الإنسان الذي نكتشفه في هذا الكتاب هو إنسان متصالح مع نفسه وراض عن قدر وحال قبل بهما وقنع بأن لا معنى لحياته بدون السعي المتواصل، الحافل بالعطاء والشقاء، لتحقيق القِيَم الإنسانية العليا: الحرية والاستقلال والسيادة والوحدة، ورخاء المجتمع ورفعته وعدالته والمساواة بين أبنائه وعناصره. إننا نقرأ في مذكرات جورج حبش، في عشرات الأماكن والصيغ والأشكال، حبّه لزوجته وابنتيه، وامتنانه لهنّ واعترافه بأثرهنّ في مواصلته النضال ولو على حساب راحته وراحتهن. ونقرأ تقديره لرفاقه في العمل النضالي، الحزبي والتنظيمي والحركي

ونقرأ اعترافه بحمله المبادئ أو المفاهيم الأخرى، المغايرة أحياناً لمبادئه ومفاهيمه والمتنافسة بل المتصارعة معها في أحيان كثيرة. نجد في هذه المشاعر والمواقف النادرة في المجال السياسي والحزبي العربي (والفلسطيني) المعاصر اعترافاً بالآخر قائماً على حقه في الاختلاف. والأمثلة كثيرة: إنه يتحاشى ذكر أسماء معظم المسيئين إليه، من خصوم في الساحة السياسية ومن رفاق درب منحرفين وآبقين وضالّين ومن أصحاب غايات خاصة وطامعين بمكاسب غير شرعية وساعين وراء صفقات مشبوهة. ومن اللافت أنه لم يذكر أسماء أيّ من هؤلاء المتآمرين عليه وعلى قضيته ومنظمته إلا في حالتين اثنتين فقط حيث اضطرّ إلى ذكر اسمي رجلين تآمرا عليه وحاولا اغتياله، وذلك لأن الاسمين معروفان جيداً ولم يكن بالإمكان إخفاء هويّة أيّ منهما. .. إن من يتتبّع مسيرة جورج حبش النضالية على مدى خمسين عاماً على الأقل لا يستطيع أن يتجاهل وجود علاقات خاصة طبعت تلك المسيرة مع قائدين فلسطينيين كبيرين هما وديع حدّاد وياسر عرفات

كانت علاقة حبش بحدّاد، التي بدأت وهما على مقاعد دراسة الطبّ في الجامعة الأميركية في بيروت منذ أواخر أربعينيّات القرن الماضي، مضرباً للمثل لا من حيث توثّقها وعمقها وصفاؤها واستمرارها طويلاً، ولا من حيث المشاركة الكاملة في كل الأعمال والجهود ومجالات النضال والتأسيس والتأثير والمواقف، فقط، بل أيضاً من حيث البذل والتضحية والوفاء للالتزامات الوطنية والقومية. حتى أصبح كل من «الحكيمين» توأماً فكرياً ونضالياً للآخر. إلى أن اجتهد كل منهما، وبعد عشرين سنة، اجتهاداً مختلفاً عن الآخر في مجال أسلوب النضال من أجل المبادئ التي آمنا بها إيماناً مشتركاً كاملاً. وافترق الحكيمان والتوأمان، وتابع كل منهما مسيرته النضالية بحسب أسلوبه المختلف عن أسلوب زميله. وتلك واقعة تحصل بين الرفاق والزملاء دائماً وفي كل مناحي العمل السياسي والحزبي. لكننا في حالة حبش ـ حداد لا نسمع من أي منهما كلمة واحدة تسيء إلى الآخر أو تطعن به أو تغمز من قناته. ظل الاحترام والتقدير وسموّ المشاعر والتعابير بينهما بعد افتراقهما بالقوة والقدر نفسيهما اللذين كانا يميّزان علاقاتهما في السنوات العشرين التي سبقت الفراق. وقراءة ما ذكره حبش عن رفيقه عند رحيله تدلّ على صفاء حبش. ولا شك بأن حدّاد لو بقي حياً عند رحيل حبش لكان نطق بالمشاعر النبيلة نفسها

ومن الجهة الأخرى، يستدلّ متتبّع العلاقة السياسية بين جورج حبش وياسر عرفات على اختلاف كل من القائدين الفلسطينيين الكبيرين طيلة الأربعين عاماً التي اشتركا خلالها في العمل السياسي الفلسطيني/العربي، وكان لكل منهما أسلوبه الخاص البعيد جداً عن أسلوب الآخر. بل كان كل من الأسلوبين نقيضاً للآخر. وكان كل من الرجلين نقيضاً للآخر. لكنّ حبش، الذي يتحدّث مطوّلاً عن خلافاته مع عرفات واختلافاته معه في المفاهيم والأساليب والأدوات والأداء، لا يُخفي عاطفة ودّية خاصة تجاه خصمه في عشرات الأماكن، ويحاول أن يقدّم لنا أحياناً صورة لعرفات تغاير الصورة التي يتخيّلها الآخرون من معارضي نهج عرفات. وعندما رحل عرفات كانت كلمات حبش تصدر من قلب محبّ وحنون ولا علاقة لها بالصراع السياسي. لن أسترسل في الأمثلة على أصالة قائد يعلو في صراعاته السياسية فوق المستوى المألوف ويصرّ على الحفاظ على نقائه ونبله لأن ذلك الصفاء يتوافق مع معتقداته وأساليبه في العمل ومواقفه من الآخرين، حتى لو كان الآخرون يتعاملون معه بطرق أخرى. وأكاد أقول إن حبش ما كان يستطيع أن يتصرّف تصرفاً آخر

إن ضميره وقلبه ووجدانه وتربيته ما كانت لتسمح له بأن يكون غير ما كان عليه طيلة حياته وفي جميع ممارساته. ومثل أي قائد سياسي، نجد جورج حبش في مذكراته يدافع عن مواقف وسياسات معيّنة، فلسطينية وعربية ودولية، اتخذها في حياته شخصياً أو عبر الحركة أو الجبهة التي تولّى قيادتها، وربما كان بعضها يتعارض أحياناً، ولو شكلياً، مع إجراءات أخرى قام بها، ولا شك بأن بعضها يتعارض مع آراء سياسيين آخرين ومواقفهم. وقد يقنعك هذا الدفاع (أو التحليل أو التفسير أو التبرير) وقد لا يقنعك. فالمسائل سياسية وعالم السياسة واسع ويحتمل الاختلافات، بل التناقضات أيضاً. وكما كان الزعيم الكبير جمال عبد الناصر يقول فإن من لا يعمل أو من لا يأخذ مواقف محددة لا يجد من يعارضه. ومن المنطقي أن تكون أعمال حبش التي لاقت تأييداً واسعاً، من الجماهير ومن النخبة ومن المحازبين، قد لاقت أيضاً وفي الوقت نفسه معارضة من قطاعات أخرى من الجماهير والنخب والجماعات المعارضة له. والمهم في هذه الأحاديث مع محاوره أن حبش مرّ على هذه المسائل كلّها، ولم يتهرّب من أي منها، وكان في جميع أجوبته واضحاً ومنطقياً

وأحسب أنه كان مقنعاً في معظم الأحيان إنني، كدارس للتاريخ، أرحّب بصدور هذه المذكرات وأحيّي الجهد الذي بذلته السيدة هيلدا وابنتاها ميساء ولمى في الإشراف على إعداد المذكرات في صيغتها العربية، وأُكبر العمل الشاق الذي قام به الصحافي الفرنسي جورج مالبرونو

وأنا كفلسطيني يؤمن بتحرير فلسطين من بحرها إلى نهرها وكعربي يؤمن بوحدة الأمة عبر نضال مشترك، ألمح في سيرة جورج حبش بريقاً قادراً على هداية الأجيال الطالعة نحو طريق يصل بنا نحو التحرير والوحدة وما يتبعهما من عدالة وحداثة وحرية ومساواة، وهي كلها مُثل التزمها صاحب السيرة وكرّس لها حياته الحافلة بالعطاء. إن الوفاء الأكبر من الأجيال الطالعة لجورج حبش يتمثل بأن لا يبقى الرجل مجرّد ظاهرة فريدة في زمانه. فالمطلوب والمأمول أن ينهض بين هذه الأجيال من يجسّد ظاهرة جورج حبش النادرة ويجدّدها

وبذلك يكون الرجل قد أدّى رسالته ورحل مرتاح البال

Tuesday, October 13, 2009

ألشقيري وميثاق منظمة ألتحرير ألفلسطينية وألاهداف ألنيلة


رسالة للحكيم كتبها عام ٢٠٠٥ و ستنشر في ألكتاب ألذي يحضُّر ألآن وسيتحفى بإلذكرى ألمئوية لأحمد ألشقيري ... قراءة آنية هامة لما يمر بة شعبنا ألعربي ألفلسطيني

الدكتور جورج حبش
ما من وضوح كان ظاهراً للعيان، عند إعلان قيام منظمة التحرير الفلسطينية عام ١٩٦٤أكثر من الوضوح المنبثق عن الميثاق القومي الفلسطيني، وكان وراء ذلك رجل صادق ومحام بارع بحجم المناضل الراحل أحمد الشقيري. والذي بذل جهداً كبيراً في تشكيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية إلى جانب زملائه في ذاك الوقت. وكان يتصف بعقلية بناء المؤسسة ولديه خبرة في ذلك، وفي هذه اللحظات لا يسعني إلا أن أقلب الذاكرة في ركنها المشرق من تاريخ كفاحنا الفلسطيني المعاصر، لنتذكر المناضل أحمد الشقيري، ونتذكر معه الإرث الكبير الذي خلفه، والذي ينظر إليه شعبنا بكل فخر واعتزاز. ومع إعلان قيام منظمة التحرير الفلسطينية، وما تمثله من هوية سياسية شرعية للشعب الفلسطيني، أيضاً تم الإعلان في ذاك الوقت عن انطلاقة الثورة الفلسطينية والكفاح المسلح في مناخ من التصميم و الإرادة واستمرار النضال، بالرغم من آثار النكبة و المعاناة والآلام التي ألمت بشعبنا الفلسطيني في الوطن و الشتات، وما أن ظهرت منظمة التحرير الفلسطينية حتى ظهر إلى جانبها تشكيلات الثورة الفلسطينية والمجموعات الفدائية وأبطالها المقاومون الذين استشهدوا والذين لا يزالون يواصلون النضال ويبذلون التضحيات الجسام على مذبح الحرية والاستقلال. لقد جاء تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية كضرورة ذاتية وموضوعية في ذاك الوقت. وتقتضي الأمانة التاريخية هنا، أن نعترف بالدور الإيجابي الذي لعبه أحمد الشقيري، كشخصية وطنية، إلى جانب مجموعة من النخب الفلسطينية المثقفة في تأسيس م.ت.ف كأول تعبير عن شكل ما من أشكال الكيانية الفلسطينية وخاصة في الفترة التي سبقت الإعلان عن تأسيس م.ت.ف
في تلك الفترة، كانت الجامعة العربية تتخذ الكثير من القرارات، لكن القليل منها كان ينفّذ على الأرض، وطبعاً، يجب ألاّ ننسى التناقضات الكثيرة التي تحكم العلاقات بين الأنظمة العربية، ورؤيتها لتشكيل الكيانية الفلسطينية التي تمكن الفلسطينيين من تنظيم أنفسهم، والقيام بدورهم في تحرير وطنهم وتقرير مصيرهم، وفي هذا السياق برز الدور الحاسم للرئيس عبد الناصر، الذي التقط أهمية الموضوع الفلسطيني، وضرورة إيجاد شكل ما لتمثيلهم السياسي، حيث لعب دوراً أساسياً في مؤتمر القمة العربي الأول، الذي انعقد في القاهرة عام ١٩٦٤ لانتزاع موافقة الزعماء العرب على تشكيل م.ت.ف ككيان للفلسطينيين، رغم تحفظات البعض على ذلك. حين أخذ الشقيري الضوء الأخضر من الرئيس عبد الناصر، بدأ سلسلة من التحركات في أوساط التجمعات الفلسطينية، لإختيار ممثلين إلى المجلس الوطني الفلسطيني الأول، الذي انعقد في القدس في أيار ١٩٦٤، ودرس المجلس فكرة إقامة م.ت.ف التي أعلن عن تأسيسها بعد شهر تقريباً، أي في حزيران ١٩٦٤
أيدنا آنذاك كحركة قوميين عرب تشكيل م.ت.ف، ولكن اشترطنا انتخابات حرة للقيادة، نظراً لحساسيتنا تجاه القيادة الفردية للشقيري التي تخوفنا منها، ولكن للأسف لم تتم تلك الإنتخابات، وعينت القيادة تعييناً، كذلك طالبنا أن تكون المنظمة بمثابة تنظيم ثوري يعبئ طاقات الشعب الفلسطيني بهدف تحرير فلسطين كاملة، وأعتقد أن تأييد عبد الناصر لتأسيس المنظمة، كان له دور مؤثر على موقفنا، جعلنا نتغاضى عن شرطنا حول مسألة الانتخابات، وتحفظنا على مسألة التعيين رغم حساسيتنا الشديدة تجاه هذه المسألة
طبعاً كانت هناك مواقف متباينة للتنظيمات الفلسطينية التي بدأت تتشكل آنذاك من تأسيس المنظمة، بينما لاقت الفكرة تأييداً كاسحاً في أوساط الجماهير الفلسطينية في كل أماكن التجمعات الفلسطينية
لم تستطع المنظمة في تلك الفترة ( ١٩٦٤-١٩٦٧ ) أن تعبر تعبيراً دقيقاً عن حالة الغليان والحراك التي تجري في أوساط الشعب الفلسطيني، وقواه السياسية التي بدأت تتبلور شيئاً فشيئاً، خاصة وأن القيادة الفردية للشقيري كان لها تأثير سلبي، ورغم أن بعض أعضاء اللجنة التنفيذية كبهجت أبو غربية، ود. أسامة النقيب ونمير المصري وعبد الخالق يغمور و يحيى حمودة وآخرون أرادوا أن يستمروا في النضال من خلال معركة سياسية مع الشقيري للوصول بالمنظمة إلى قيادة جماعية، لكن الشقيري مثل " أبو عمار" فيما بعد، أصر على قيادته الفردية، لذلك طالبوه بالاستقالة، وترافقت هذه القصة مع التغييرات الكثيرة التي حدثت على أثر هزيمة حزيران ١٩٦٧، وكردّ على الهزيمة صعّدت الفصائل الفلسطينية الكفاح المسلح، وكثرت العمليات الفدائية، وفي نفس الوقت أضعفت الهزيمة القبضة الأمنية للأنظمة العربية، وتعززت الروح الشعبية العربية المؤيدة للمقاومة الفلسطينية والكفاح المسلح، وترافق هذا مع رغبة رسمية عربية بإزاحة الشقيري، وتمثّلت الفصائل في م.ت.ف التي أعيد بناء مؤسساتها، ولكن على صعيد القيادة بقيت فردية، لذلك من جهتنا كجبهة شعبية كنا نفكر منذ البداية بتأسيس جبهة وطنية عريضة، تضم كافة الفصائل، وأعتقد لو تمّ ذلك لتغيّر الكثير من المسائلكان للشقيري حضوره الدائم وأثره الكبير في تشكيل مؤسسات منظمة التحرير و الاتحادات الشعبية الفلسطينية، ويلفت النظر إلى مواقفه فهو المناضل السياسي الوطني والقومي، وفي مجرى التحولات التي كانت سائدة آنذاك، يبدو لي أن تلك كانت مرحلة انتقالية بالنسبة لشعبنا الفلسطيني ، من شعب لاجئ في الشتات و المنافي والمخيمات إلى شعب هويته المقاومةوفي الذكرى الخامسة والعشرين لرحيل المناضل أحمد الشقيري. نعيد حساباتنا ونعيد تقييمنا لتجاربنا بعد مضي ما يقارب الأربعين عاماً على تأسيس م.ت.ف، نلمس في كل مرحلة وجود صعود مستمر للقضية الفلسطينية، مهما كبرت التحديات وازدادت المخاطر وأولى هذه التحديات محاولات شطب حق العودة الذي هو بمثابة قضية جوهرية تمثلها منظمة التحرير الفلسطينية والتي انطلقت في أهدافها من العمل على التحرير وعودة اللاجئين الفلسطينيين، والحق يقال كان أحمد الشقيري ينظر إلى هذه المسألة باعتبارها مسألة جوهرية لا يمكن التخلي عنها، وهي بند رئيسي في النضال الفلسطيني، الذي ينشده شعبنا من أجل حقه في تقرير المصير، وإقامة دولته وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين إلى ديارهم وبيوتهم التي شردوا منها، وهذه المسألة لا تقبل المساومة
لقد بذل الشقيري كل ما بوسعه من أجل شعبه، ورسخت تلك المرحلة التي ترأس فيها الشقيري منظمة التحرير طريق العودة للأرض والوطن، عودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه، فكانت قضية العودة تتابع بقوة في المنابر الدولية في هيئة الأمم المتحدة، وأعطى الشقيري جل اهتمامه مبكراً لقضية حق العودة
كان القائد جمال عبد الناصر يعد العدة لخوض المعركة مع العدو الصهيوني مراهناً على الأمة العربية والعمق العربي، وبعد هزيمة حزيران عام ١٩٦٧" النكسة" التي أثرت على مسار منظمة التحرير، ظهرت تحديات جديدة، وأنتجت تلك المرحلة قيادة بديلة لمنظمة التحرير. لكن الشقيري ظل حتى آخر يوم في حياته يؤكد على قيم التحرر الوطني. وكان منسجما مع نفسه ومبادئه . فالذاكرة الوطنية الفلسطينية تكن للشقيري مكانة عالية. واليوم وبعد مرور خمسة وعشرين عاماً على رحيله لا يمكن أن ننسى ما تركه هذا الرجل المناضل من بصمات نضالية قومية على مسار منظمة التحرير الفلسطينية. ورغم ما كان سائداً آنذاك من أجواء هزيمة حزيران ١٩٦٧ استطاعت الثورة الفلسطينية تجاوز واقع الهزيمة العربية وسطرت أروع صور الصمود في معركة الكرامة، التي أعادت رهان الجماهير العربية على روح المقاومة والوقوف بوجه الطغيان الصهيوني والتفوق العسكري الصهيوني المدعوم من الغرب الاستعماري. ومنظمة التحرير الفلسطينية بمعناها الرمزي رسخت معنى المقاومة والصمود في أذهان الجماهير العربية من المحيط الخليج. كانت م.ت.ف بالنسبة لأحمد الشقيري هي صوت فلسطين في المنابر العربية والدولية وممثله في الجامعة العربية وأن التاريخ يشهد على حجم ما قدمه هذا المناضل لفلسطين ولشعبه وذلك من خلال نهج التعبئة والتحرير، كان يؤكد دائماً أن المساومات السياسية لن تحرر فلسطين وأن الكفاح المسلح هو الطريق السليم للتحرير
ما أنبل هذه الفكرة التي تشبه صاحبها المناضل الراحل الشقيري

Tuesday, August 25, 2009

من أقوال ألحكيم


أن أهدافنا الوطنية غير قابلة للانتصار بقيادة اليمين البرجوازي . نعم لقد تصدرت البرجوازية الكفاح المسلح وكانت صادقة... لكن أمام صعوبات المسيرة بدأت بالتراجع البرنامجي مرحلة بعد مرحلة... وهي تراهن أن تخرج بشيء وهذا الشيء ستقدمه للضفة وغزة، وستنظر بعض القطاعات أن هذا الشيء هو الشيء الوحيد الممكن .أن العناصر المتنفذة وصلت لقناعة: لقد بذلنا كل شيء ولنأخذ ما يمكن أخذه... إن لديها استعدادات حقيقية للتعاطي مع الحلول الأمريكية، في الوقت المناسب


قالها في بدايات ١٩٨٤

ألمناضلة هيلدا حبش ترُّد على تجنيات بسام أبو شريف


أثارت تصريحات بسام أبو شريف الى "الغد" التي توقف فيها عند أبرز المحطات التاريخية في مسار الصراع
العربي- ألصهيوني آراء متباينة، حيال مسار أمتد لنحو ستين عاماً ولن تخلو عملية مراجعة وإعادة قراءة لتلك الفترة من تمايزات في وجهات النظر، تصل حدّ الاختلاف الحدي فيما بين طرفين كل منهما ينظر الى تلك الحقبة الطويلة من منظوره الخاص وكان من بين تلك الآراء ما أوضحته السيدة هيلدا حبش، زوجة الزعيم المؤسس للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الراحل جورج حبش، وذلك بتوقفها عند بعض الأحداث التي شهدتها وعايشتها عن قرب، واطلعت على مفاصلها وتبعاتها، فكان ردها كالتالي
تقول السيدة حبش: في هذا الزمن الرديء، وفي ظل الظروف الصعبة التي يمر بها الشعب الفلسطيني، تعلو الأصوات النشاز بعد رحيل العظام لتتناول مراحل تاريخية من عمر هؤلاء الكبار الذين نحتوا في الصخر ليؤسسوا بنياناً صلباً وصرحاً تعتز به الأجيال.إن منظمة التحرير الفلسطينية ليست من صنع فصيل من دون آخر، بل جاءت نتيجة نضال تراكمي قدم فيه شعبنا آلاف الشهداء الذين كانوا بمثابة الوقود الذي أشعل الثورة، إلى جانب آلاف الأسرى والمعتقلين الذين يقبعون وراء القبضان في سجون العدو، وكذلك عدد كبير من القادة والمقاتلين الذين كرسوا عمرهم وتفانوا في سبيل الدفاع عن انجازات الثورة والحفاظ على مكتسباتها
وعند الإعلان عن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام ١٩٦٤، كانت حركة القوميين العرب على رأس المؤسسين والمشاركين بقوة، وكان الدكتور المناضل أسامة النقيب، أول من مثل الحركة في اللجنة التنفيذية للمنظمة، واستمرت العلاقة حتى تأسيس الجبهة الشعبية، وكانت المنبر الذي تطرح من خلاله الجبهة مواقفها السياسية بقوة وتدعو إلى الوحدة الوطنية رغم الخلافات المتباينة في وجهات النظر، والمواقف المعارضة لكل نهج التسوية والتفاوض مع العدو( الإسرائيلي)، وكثيراً ما دفعت الجبهة الشعبية ثمن مواقفها المبدئية المتشددة في وجه التيار المعتدل داخل منظمة التحرير الفلسطينية
أنا لست بصدد محاسبة وتقييم مسيرة بسام أبو شريف السياسية، بعدما انجرف وانحرف يميناً ويساراً، ولكني أقول له أن النقد اللاذع لمسيرة الحكيم وخطه السياسي وأين أخطأ وأين أصاب، هذه مهمة الجماهير الفلسطينية التي وهبها الحكيم عمره وأغلى ما عنده، ومن حق الجماهير تقييم ومحاسبة القيادات، والكل يعرف كيف كان التقييم عند سماع خبر وفاة الحكيم
كان الحكيم يكتب التقارير السياسية لمؤتمرات الجبهة الشعبية بعرقه ودمه وعصارة فكره، وبعد مناقشتها وإقرارها من قبل القيادة والقاعدة وتصبح دستوراً يتقيد به الجميع سواء التقرير السياسي والتنظيمي أو مهمات المرحلة، وقد شكلت التقارير والوثائق التي كتبها الحكيم المنارة التي يهتدي إليها المناضلون في الجبهة الشعبية
عندما تبنى الحكيم الماركسية كفكر ونهج وأسلوب عمل في ممارسة الحياة الحزبية، جاء ذلك بعد تفكير عميق ودراسة دقيقة لتجارب الشعوب الحية وقراءات لأهم المفكرين اليساريين والفلاسفة، ولم يأت من فراغ، بل جاء بعد تجارب نضالية طويلة حسم بعدها الحكيم الأمور لمصلحة الشعب ضد الصراع الطبقي والاستغلال وعدم المساواة، وطالب بتطبيق العدالة الاجتماعية بين الشعوب ورفع الظلم عن شعبنا، واعتبر أن الفقراء والمسحوقين هم المادة الأساسية للثورة، وأن الطبقة البرجوازية الفقيرة هي حليف استراتيجي في مرحلة التحرر الوطني
كنت أتمنى، قالت هيلدا حبش، على بسام أبو شريف أن يحافظ على رصيده النضالي بعدما ترك الجبهة الشعبية، هذا الرصيد الذي دفع ثمنه غالياً. كنت في ذلك الوقت أعتبره من خيرة الرفاق الأعزاء، لكنه مع الأسف وقع في فخ الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أبو عمار وارتمى في أحضان السلطة، وأوكلت إليه مهمة الاتصالات السرية مع (الإسرائيليين) وراهن على الحلول الاستسلامية على حساب الشعب والمصلحة الوطنية، وكنت أتمنى عليه أن يبقى موجوداً على الساحة الفلسطينية كشخصية وطنية مستقلة لها اعتبارها ومكانتها ووزنها التاريخي
والآن بعدما نعت الجبهة الشعبية بالتكلس، فإنني أتساءل، هل حقق اتفاق أوسلو الأمن والاستقرار والسيادة على الأرض، وهل استطاع أن يحقن دماء الشعب الفلسطيني وأن يوقف قوافل الشهداء، وهل أعاد للشعب الفلسطيني كرامته وأرضه المسلوبة، وهل أصبح العلم الفلسطيني المرفوع فوق المقاطعة، كما يحلو له أن يصفها، بديلاً عن القدس والدولة وحق العودة؟. وماذا عن الزحف الاستيطاني وابتلاع الأرض، وجدار الفصل العنصري الذي جزأ العائلة الواحدة وحول الضفة الغربية إلى كانتونات، هذا كله كان الثمن الذي دفعه شعبنا نتيجة أخطاء القيادة الفلسطينية ووقوعها في مستنقع أوسلووهنا أريد التأكيد على المسائل الآتية
إن هناك مؤسساً واحداً للجبهة الشعبية ومؤسساً واحداً لحركة القوميين العرب هو الدكتور جورج حبش، وكانت نواة التأسيس مكونة من مجموعة من الشباب القومي العربي من مختلف البلدان العربية، وعند الإعلان عن تأسيس الجبهة الشعبية لم يكن بسام أبو شريف من بين أعضاء اللجنة المركزية التي تشكلت منها الجبهة الشعبية، وهنا أسأل كيف من الممكن أن يكون أبو شريف أحد مؤسسي الجبهة عام ١٩٦٧، وكيف تعرف على الحكيم في عام ١٩٦٤ وهو طالب جامعي
- إن عملية خطف الحكيم في وضح النهار من السجن في سورية أواخر عام ١٩٦٨ خطط لها الدكتور وديع حداد بدقة وسرية تامة، تمت في وضح النهار ونفذها بنجاح مجموعة من الشباب الأشداء. ويقول أبوشريف في حواره إن التحقيق كان يتم مع الحكيم، بعدما تم اعتقاله في دمشق، في مركز المخابرات السورية خارج السجن مرة كل أسبوع وإن التحقيق تحول في المدة الأخيرة إلى حوار مع رئيس المخابرات عبد الكريم الجندي، ولكنني أؤكد بأنه لم يدر أي نوع من الحوار بين الحكيم وبين سجانيه، وعندما سأل بعض الصحافيين الجندي حول توقيت الإفراج عن الدكتور حبش، كان جوابه "لو نزلت السما على الأرض لن يخرج الحكيم من السجن"، وكان هذا الرد القاطع عنوان الصحف اللبنانية في اليوم التالي
لقد أعتقل الحكيم في أسوأ ظروف في سجن الشيخ حسين، وتعرض لتعذيب نفسي كان عبد الكريم الجندي يستهدف من ورائه تحطيم معنويات الحكيم، لكنه لم ينجح في ذلك. لقد أعتقل الحكيم في زنزانة ضيقة جداً وقذرة وتفتقر لأدنى الشروط الإنسانية، ومنعوا عنه في الأشهر الأولى الكتب والزيارات وأبسط حقوق السجين في استنشاق الهواء الطلق في باحة السجن، وبعد بضعة شهور سمحوا له بالقراءة ثم سمحوا لأهله بزيارته، وهنا تم نقله من السجن إلى مركز المخابرات العامة، مما سهل عملية الخطف، وكانت الخطة تتضمن طلب زيارة ثانية على أساس عائلي، لكن بعض الرفيقات المناضلات في الجبهة الشعبية تظاهرن على أنهن من قريباته، ونجحن في مقابلته والتحدث معه في شؤون عائلية، وفي طريق عودته إلى السجن هاجم عدد من شباب الجبهة بملابس الجيش السوري سيارة الحراسة التي كانت تقل الحكيم، وتمت عملية الخطف بشكل سريع ومحترف وعند اجتيازهم الحدود السورية اللبنانية عبر الجبل أطلقوا سراح الحراس
وقد عاد وهدد عبد الكريم الجندي بإعادة خطف الحكيم من لبنان مهما كلف الثمن، من هنا جاءت الزيارة إلى القاهرة بالترتيب مع القيادة المصرية لأسباب أمنية عبر السفارة في بيروت، وكنت أنا وابنتانا ميساء ولمى مع الحكيم لقضاء إجازة قصيرة ليعود بعدها إلى الأردن، وكان بسام أبو شريف في وداعنا في المطار. وبعد عملية الاختطاف وإصابة الجندي بخيبة أمل وبفشل ذريع، تم الإعلان عن انتحاره، هذا ما لا يذكره بسام أبو شريف
لقد ظلت علاقة الحكيم بالرئيس عبد الناصر متينة، وأن هزيمة عام ١٩٦٧ كانت صدمة لكل القوى الوطنية والقومية، وأن عبد الناصر نفسه قدم استقالته أمام الشعب، لكن الشعب المصري والعربي نزل إلى الشوارع وطالب الرئيس بالعودة عن قراره. كيف يتحدث بسام أبو شريف عن سوء العلاقة مع الرئيس عبد الناصر وفي نفس الوقت يذكر عن زيارة الحكيم لمصر بعد اختطافه، ويقول إن عبد الناصر أرسل له طائرة خاصة وكان هذا في نهاية ١٩٦٨ومكثنا نحن في القاهرة سنة كاملة كان الحكيم يتردد لزيارتنا قادماً من الأردن، وفي كل مرة كان يحصل اللقاء مع الرئيس، واستمرت العلاقات حتى عودتنا إلى عمان في منتصف عام ١٩٦٩، كانت العلاقة ودية طبيعية على قاعدة أن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضيةلماذا لم يذكر بسام أبو شريف حادثة خطف طائرة "الميدل إيست" اللبنانية، التي قامت
بتنفيذها( إسرائيل) وأن الحكيم وصل إلى المطار وكان من المفترض أن يستقل الطائرة لتلبية دعوة رسمية إلى العراق، لكنه في اللحظات الأخيرة ولأسباب أمنية لم يستقل الطائرة وفشلت (إسرائيل) في إلقاء القبض عليه. لماذا لم يذكر بسام هذا الحادث المدوي ولماذا لم يذكر أن الجاسوس وليد قدورة هو من بلغ الموساد بأن الحكيم على متن الطائرة، وأن ذكره على أنه عميل للمكتب الثاني اللبناني بينما هو
عميل( إسرائيلي) أيضاً، تم اعتقاله وحكم عليه بالإعدام، والآن بعد ٣٧ عاماً على الحادث أسأل لماذا لم ينفذ به حكم الإعدام؟، هناك من إستطاع تهريبه من السجن في خضم الحرب الأهلية. يذكر أنه كان معتقلاً في سجون أحد التنظيمات الفلسطينية وليس لدى الجبهة الشعبية
حاول بسام أن يدق الإسفين بين الحكيم والدكتور وديع، لكن قدسية العلاقة التاريخية التي كانت تربط بين الرجلين أقوى من أن يؤثر عليها مثل هذا الدس. وأن عمليات خطف الطائرات قامت بقرار مركزي من قيادة الجبهة الشعبية وأن الدكتور وديع كان يخطط لها وينفذها بدقة بالتنسيق مع الحكيم. لكن نقطة الخلاف الوحيدة كانت عندما اتخذت الجبهة قراراً في عام ١٩٧٢ بوقف تلك العمليات، استمر الدكتور وديع على مسؤوليته الشخصية وكانت آخر عملية في مطار عنتيبي استشهد فيها عدد من خيرة المناضلين وتألم الحكيم عند سماعه النبأ. لكن العلاقات الشخصية لم تتأثر بالدكتور وديع، وكان آخر لقاء للحكيم مع الدكتور وديع في بيته في بغداد، وقد كنت برفقة الحكيم قبل شهرين من اغتيال الدكتور حداد، الذي كان يتمتع حينها بصحة جيدة جداًأما لماذا لم نسيطر على قيادة المنظمة رغم أننا كنا القوة الأولى في ذلك الوقت، هذا يعود إلى مواقفنا السياسية المبدئية الثابتة والمتشددة، وموقف بعض الأنظمة العربية منا كتنظيم معارض يرفض المهادنة مع العدو الصهيوني ويرفع شعاراته المعروفة باللاءات الثلاثة: لا تفاوض ولا صلح ولا اعتراف بالعدو المحتل لأرضنا

Saturday, August 22, 2009

لم يمتْ

ألشاعر مجهول


قال الرفاق بحرقةٍ
مات الحكيمُ
فقلت مهلاً.. لم يمتْ
هو حاضرٌ فينا
وللأجيالِ رمزاً لم يزلْ

إن كان أضناهُ النضالُ لطوله
إن كان أعياهُ انتظار النصر ِ
في ميدانهِ
إن كان أثقله الزمانُ بحملهِ
هو خالدٌ فيما حملْ
فالوحدة الكبرى تلازمُ حلمه
وإرادة التحريرِ في وجدانهِ
والثأر للأرض السليبة عندهُ
فكرٌ.. وقولٌ.. وعملْ

ما مات من حمل الأمانة َ جاهداً
ما مات من جعلَ النضالَ عقيدة ً
ما مات من غرسَ العقيدة
في القلوبِ وفي العقول
وفي المقلْ
ثم ارتحلْ

رحل الحكيمُ
وكان يأملُ دائماً
بل كان يلهج قائلاً
آتٍ أنا يا قدسنا
أنا عائد للدّ والرملة ْ
آت إلى غزةْ
آت إلى يافا ورام اللهْ
أنا عائد
لأقبل الأرض الحبيبة عاشقاً

النهر والوديان والشواطي
والسهل والجبل

قسماً بأقصاك الشريفِ سنلتقي
قسمَ المآذن والكنائسِ
عند كل دعاءْ
وشهادة الشهداءْ
إن كنت أعمل للقاء مهجراً
قسماً بك يا أرضنا
يا قدسُنا ـ يا حبنا
وعداً علي أقرهُ
عمري أنا
إن راح قبل لقائنا
من بعد موتي ألتقيك على عجل

نم في ضريحك يا حكيمُ ممجداً
نم خالداً
نم يا حكيم مضمّخاً
بالمسكِ والصندلْ
وأسعد بما آمنتْ
أو قدمتْ
إن السعادة ما أعطيت من مثل ٍ
كُرّمتَ مرتحلاً
أو قبل أن ترحلْ

Tuesday, July 21, 2009

جورج حبش ...ضمير فلسطين


أنهى ألمؤرخ يوسف صبُّاغ كتابه التوثيقي الجديد جورج حبش ضمير فلسطين
وفي تعريفه بالكتاب و بالحكيم يقول: قلما ارتبط اسم مناضل باسم قضيته كما ارتبط اسم جورج حبش بالقضية الفلسطينية، فالحكيم الذي شارك في مقاومة المشروع الصهيوني في فلسطين طوال ستين عاماً منذ النكبة عام ١٩٤٨ حتى تاريخ وفاته عام ٢٠٠٨ استطاع أن يرتقي بالقضية الفلسطينية من قضية شعب تنتزع منه أرضه وينتزع منها إلى قضية الأمة المركزية فالعدوان ليس على فلسطين، بل هو على بلاد العرب من المحيط إلى الخليج
جاء الكتاب في ٣٨٥ من القطع المتوسط ضمت سيرة حياة جورج حبش وشهادات قيلت فيه على امتداد الوطن العربي، إضافة إلى وقفات في فكره ونضاله، يشكل الكتاب وثيقة تاريخية وسياسية وأدبية مهمة في تاريخ النضال العربي الفلسطيني، وفي الفكر القومي العربي، وقراءة في فكر ألفذ جورج حبش وحياته ونضالاته