Thursday, April 16, 2009

وداعاً يا حكيم

Thursday, March 12, 2009

كلمة محمد كناعنة في الذكرى السنوية الاولى لرحيل القائد المناضل جورج حبش


الرفيقات والرفاق... الأخوات والأخوة الأعزاء الحضور الكريم
نحييكم بتحية فلسطين والعروبة... فهي كانت تحية الحكيم لنا دائمًا... كيف لا تكون هذه تحية الرجل الذي أمضى ستة عقود من حياته منشغلا بالمهام الوطنية والقومية، مناضلا في سبيل قضايا الوطن والأمة على كل الجَبَهات والمستويات بدأ بالتنظيمي والسياسي والفكري وليس انتهاءً بالعمل الثوري وعلى مختلف أشكاله وأساليبه
الرفيقات والرفاق.. اسمحوا لي في البداية بالتوجه بتحيةِ الاعتزاز إلى الرفيق أحمد سعدات – الأمين العام للجبهة الشعبية – القابع في زنازين الاحتلال البغيض وإلى الأسير الفتحاوي المناضل الأخ مروان البرغوثي. وإلى كل الأسرى والمعتقلين وخاصة الأسيرات الماجدات اللواتي يسطرن أسمى معاني المقاومة والصمود، فليس صدفةً أن يكون هذا العام يوم المرأة العالمي هو يوم المرأة الفلسطينية بامتياز
واسمحوا لي أيضا في يوم الشهيد الجبهاوي أن أتوجه بتحية إجلال وإكبار إلى أرواح شهداء الجبهة وكل شهداء فلسطين.. الرفيقات والرفاق الأعزاء... تحية فلسطين والعروبة مرة أخرى
اسمحوا لي أن أتوجه في هذه الكلمة إلى جورج حبش الساكن في ضمير ووعي ووجدان كل واحدٍ منّا... فليس من السهل عليَّ شخصيًا – وعلى الكثير منا كذلك – أن أتحدث عن جورج حبش الراحل عنا، ففي حضرته كان للحديث معنىً ووقع آخر، وبالتأكيد من الأصعب الحديث عن جورج حبش الباقي فينا نهجًا وفكرًا وممارسة
الرفيق جورج حبش.. ها نحن اليوم نجتمع لنحيي الذكرى الأولى لرحيلك عنّا.. نجتمع في ظروف صعبة جدًا.. وخاصة أنها تأتي بعد أحداث غزة التي كُنتَ تُتابعُها حتى اللحظات الأخيرة من مَدادِ الحياة... نجتمع اليوم بعد فترة وجيزة على توقف حلقة من مسلسل المجازر والعدوان على شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية... هذه المرة كانت غزة... غزة كما كانت دائمًا عنوانًا للمقاومة والصمود... ليتوقف العدوان بعد حوالي الشهر من الدمار والخراب، وتستمر المجزرة بعناوين أخرى
يا حكيم الثورة... يا جورج حبش... كم إفتَقَدُكَ شَعبُك في هذه الفترة ... ولكن لا تقلق يا حكيم فإن غزة أعادت فلسطين إلى أذهان العالم والإنسانية.. وفجرت عواصم العالم مظاهرات غضب وتضامن من طوكيو إلى كشمير ونيويورك، وصدامات في لندن وباريس والخليل بين المتظاهرين والشرطة. وانتفض الشعب الفلسطيني بملايينه نصرةً لأطفال ونساء وشيوخ غزة. وفي بعض المدن أُضيئت الشموع من الساعة السادسة حتى السابعة . ولكن لا تقلق يا حكيم فتفاءل الإرادة ما زال أقوى من تشاؤم العقل، إرادة شعبك أقوى مما يظن كل المراهنين على هزيمة هذه الإرادة
لقد ظن بعضهم أن العدوان على غزة حربٌ ضد حماس، وقال بعضهم أن السبب لهذا العدوان هو مفرقعات المقاومة العبثية، وصرح آخرون أن على حماس أن تدفع ثمن ما فعلته في غزة. وكان القول الفصل لإسرائيل، وهي التي تشن حربها ضد الشعب الفلسطيني ولم تستثني في عدوانها على غزة لا البشر ولا الشجر ولا الحجر... ولم تسأل عن اسم والد هذا الطفل أو ذاك ولا عن انتماءه الفصائلي.. فاعتدت على غزة المقاومة بفتحها وحماسها وشعبيتها وجهادها وديمقراطيتها ولجانها الشعبية ومؤسساتها المدنية والإنسانية والدينية ومقرات الأونروا والجامعات والمدارس والمقابر والمشافي.. وهل نسأل بعد هذا عن سبب العدوان؟
نجتمع اليوم في رام الله يا رفيق جورج حبش، وهناك في القاهرة تجتمع الفصائل، لتبحث سبل إعادة اللحمة إلى الوطن والشعب والسياسة، نسمع عن انفراج هنا وتفاؤل هناك، ولكن عقلية المحاصصة ما زالت تتربص بنا، وعلى هذه القاعدة ولد اتفاق مكة ميتًا ولحق به اتفاق صنعاء وسيلحق بهما اتفاق القاهرة إذا لم يأخذ بالحسبان مصالح الشعب الفلسطيني وتعدديته السياسية والاجتماعية وعلى قاعدة التمسك بثوابت الشعب الفلسطيني وفي مقدمتها الحق في المقاومة وحق العودة للاجئين
وفي هذا السياق تبرز مواقفك الشجاعة، وَدَعوتُكٍََ إلى الحوار ثم الحوار ثم الحوار.. وأذكر في أحد لقاءاتنا عام 99 في عمان وفي خِضَمّ نقاش عن الوحدة الوطنية وإعادة بناء م.ت.ف على قاعدة الديمقراطية، أذكر كيف نجحتُ في إغضابك إلى حَدّ أنك أجبت وقوفًا عن سؤالي أو تهجمي على نهجكم داخل المنظمة، حين قلت لك في سياق الحديث "ماذا فعلتم لتصوبوا عمل منظمة التحرير الفلسطينية ... ثلاثونَ عامًا وأنتم تتحدثون عن ضرورة الإصلاح الديمقراطي من داخل مؤسسات المنظمة وها هو أبو عمار يوقع اتفاق أوسلو باسم المنظمة ولم تستطيعوا منعه
بغضب المقاتل الذي خسر معركة ولكنه لم يخسر الحرب قُلتَ:- على الأقل حاولنا، وسنبقى نحاول ، الديمقراطية هي أساس علاقتنا الوطنية الداخلية، واتفاق أوسلو ولد في ظروف دولية وإقليمية أقوى منّا جميعًًا، والمطلوب منا في هذه المرحلة الصمود، وحتمًا سيأتي يوم ويشطب الشعب الفلسطيني هذا الاتفاق
جَسَّدتَ في حياتك العملية معنى الحفاظ على الوحدة الوطنية والديمقراطية كانت نهجًا وممارسة وليست شعارًا استهلاكيًا، وأقر لك الجميع بهذا الموقف والذي كنت تمثل من خلاله صمام أمان للعلاقات الداخلية على صعيد الجبهة والمنظمة، وفي ذات الوقت لم تتخلى يومًا عن ثورية وجذرية الموقف والمبدأ. وحين أعلنت عن نيتك الاستقالة من الأمانة العامة للجبهة ظن البعض أن هذه مناورة من مناورات القيادات العربية إلاّ أنك بالمؤتمر السادس للجبهة رسمت طريقًا آخر لمعنى القائد وشكلت حالة استثنائية في تداول السلطة أو القيادة على الساحة الفلسطينية والعربية
وأخيرًا... عذرًا يا حكيم الثورة، عذرًا لأنني بكيت وأبكيتك في لقاءنا الأول حين قلت لك بأنني لم أحلم يومًا أن ألقاك بفضل اتفاق بين إسرائيل والمنظمة، وكان أوسلو ومن ثم وادي عربة وفُتحت البوابات على جسورِ نهر الأردن من الجهة الأخرى، على غرار بوابة ماندلباوم
ورغم ذلك كنت تتشوق للقاء الوفود والشخصيات الوطنية من مناطق ال 48، ولم يكن هذا الشوق من باب البرستيج أو النوستالجيا ولا من باب العلاقات العامة وإنما ارتباطًا بوحدة القضية الوطنية الفلسطينية ووحدة الشعب الفلسطيني والهم المشترك بين كل أجزاءِ هذا الشعب الذي أمنت به وبقدراته، والأهم من ذلك إيمانُك الدائم والراسخ بالمصير المشترك وحتمية الانتصار
اهتممت بفلسطينيي الداخل وقضاياهم لدرجة أنك كنت تسألني أحيانًا عن أحداث وقضايا فأخجل من نفسي لأنني لم أسمع بها أو عنها، اهتممتُ لأنك اعتبرت أن هذا جزءًا من همك كقائد وإنسان فلسطيني وليس من باب أننا "شأن إسرائيلي داخلي". الرفيقات والرفاق الأخوة والأخوات الأعزاء الحضور الكريم
ونحن نتحدث عن جورج حبش لا نستطيع أن نختزل الرجل في سطور أو صفحات معدودات، فقد كان هذا الرجل العظيم حكيمًا للثورة بفكره وممارساته بمواقفه وإرادته التي لم تعرف الكلل حتى آخر لحظة من حياته، ولكنه هو استطاع أن يختزل معنى الثورة ومسيراتها حين قال: "سنبقى نقاتل حتى نحرر حتى آخر ذرة تراب من فلسطين"، وقال أيضًا : "لن أعود إلاّ إلى مدينة اللد" مُعبرًا بذلك عن هموم وحق ملايين اللاجئين بالعودة ، ويلخص بقوله عن الدولة الديمقراطية على كامل التراب الوطني الفلسطيني كجزء من مجتمع عربي ديمقراطي موحد، يلخص بذلك إيمانًا بحل ديمقراطي قادر أن يجيب على إشكاليات وتعقيدات قرن من الصراع. وقوله في وصيته الأخيرة "تمسكوا بالمقاومة واستعيدوا الوحدة"، إنما هي رسالة لنا جميعًا ويجب أن تبقى نبراسًا نسير ونعمل على خطى هذه الوصية، نتمسك بالمقاومة ونُعبد طريق العودة والتحرير بالوحدة. فيا أيها المجتعمون في القاهرة... إنّ نداء جورج حبش لكم اليوم: "تمسكوا بالمقاومة واستعيدوا الوحدة"... المجد والخلود لشهداء فلسطين والعروبة لك المجد يا حكيم الثورة ومنا الوفاء الحرية للأسيرات والأسرى في سجون الاحتلال عاشت فلسطين عربية حرة ديمقراطية من النهر إلى البحر

Sunday, March 1, 2009

خطاب الدكتور جورج حبش في المؤتمر الوطني السادس للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين


الرفيقات والرفاق الأعزاء أعضاء المؤتمر الوطني السادس
تحية الثورة تحية فلسطين والعروبة
حديثي إليكم في هذا المؤتمر له أهمية خاصة واستثنائية، فهذه كلمتي الأخيرة التي سأتحدث بها معكم بصفتي الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الأمر الذي يفرض عليّ أن أخاطبكم بصورة تختلف عما درجت عليه العادة في مؤتمرات الجبهة السابقة. إذ لا يعقل أن أقفل ملف مهمّتي كأمين عام للحزب دون التبصر في مراجعة هذا الملف وما آلت إليه أوضاع الحزب
رفاقي ورفيقاتي الأعزاء
أستذكر في هذه اللحظة مسيرة الجبهة الشعبية الطويلة، وأستذكر الرفاق الأوائل الذين وهبوا عمرهم في سبيل قضية فلسطين والأمة العربية ، أستذكر عشرات الوجوه لرفاقٍ أحبة سقطوا وهم يحلمون بالحرية والتقدم، تاريخ مجيد حافل بالعطاء والصدق ، وفي نفس الوقت حافل بالتضحيات والآلام والدموع، أستذكر كل ذلك... فيبدوا لي كم هو قراري صعب ، إنه من صعوبة الرحلة التي قطعها على طول المسافة الزمنية الممتدة بين أيام الشباب وصولاً إلى لحظة الشيخوخة، مسافة تغمرني بالبهجة لأنني بذلت قصارى جهدي، وأعطيت قدر المستطاع، دفاعاً عن حقوق وتطلعات شعبنا وأمتنا، كما أنها تغمرني بالحزن لكل العذابات والآلام وسبيل الشهداء والجرحى والأسرى الذين تدفقوا ليحملوا راية فلسطين، ورغم ذلك وصلت الأمور إلى هذه اللحظة والمرحلة، حيث التراجع والإحباط والتساوق مع المشاريع
( الأمريكية ـ(الإسرائيلية
ومع ذلك، ورغم كارثية اللحظة وقساوة التحديات، إلا أنني لا زلت أمسك بخيط الأمل، ليس من منطلقٍ عاطفي، وإنما لأنني أدرك طبيعة الصراع، وأدرك أصالة هذا الشعب وهذه الأمة، كما أعرف دروس لتاريخ، وبأن الهزائم والإحباط ومهما امتدت زمنياً فإنها تبقى مؤقتة وعابرة، فالشعوب في نهاية المطاف هي صاحبة الكلمة والفصل، وهي قادرة على أن تطلق أحلامها وآمالها مقاومةً وصموداً ودفاعاً عن أهلها ومصالحها

وشعب فلسطين بما يمثل من حقيقة ديموغرافية وتطلعات تحررية وعدالة قضية وبنا له من عمقٍ حضاري وإنساني، ومن تجارب وتراثٍ نضالي وتضحيات، لا يمكن إلا أن ينهض من جديد... هذه هي دروس ثورات العشرينات، والثلاثينات والأربعينات وصولاً إلى انطلاقة مقاومته الوطنية المسلحة التي توجت بانتفاضة شعبية عارمة نقشت صفحاتها في سفر التاريخ

كما أن شعب فلسطين بكل هذا العمق العربي والحضاري، لا بد إلا أن يكون شعب المستقبل... شعب الحياة، مهما بدت الأمور صعبةً وقاسية في هذه الأيام. فالأمة العربية ليست مجرد قبائل متناحرة، أو أمة ولدت على هامش التاريخ، وإنما هي أمة كان لها مأثرة في قيادة العالم على مدار قرون متتالية، أمة عريقة ذات تراثٍ ومنجزات إنسانية غطت كافة مجالات حقول العلم بلا استثناء، أمة عاشت قمة الازدهار في وقت كانت تغرق أوروبا فيه في ظلمات العصور الوسطى، أمة امتدت من الصين إلى إسبانيا، إن لم اقل العالم أجمع، ولم يكن ذلك الدور ليكون لولا امتلاكها هذا الدور. وهي بما تختزنه من إمكانيات بشرية واقتصادية واستراتيجية إنما هي مجبرة على مواجهة المخططات التي تستهدف وجودها اتصالاً بتطلعاتها المستقبلية


الرفيقات والرفاق الأحبة في الوطن والشتات
لقد اتخذت قراري بعدم ترشيح نفسي للأمانة العامة بعد دراسة وتفكير عميقين، وتفاعل واسع مع العديد من الرفاق ومن الطبيعي أن يدور في ذهن كل واحد منكم السؤال التالي: لماذا أيها الحكيم؟ هل بسبب المرض؟ جوابي بالطبع كلا، إن الوضع الصحي لم يحُلْ يوماً دون قدرتي على قيادة الجبهة الشعبية، ولم يؤثر على عزيمتي وإصراري على مواصلة الكفاح طيلة هذه السنوات. وإن مقياس الصحة بالنسبة لي هو القدرة على أداء الواجبات والمهام المطلوبة مني كأمين عام
إذن هل هو التعب؟ إنني وبكل صدق يا رفاقي لم أحاكم يوماً في حياتي النضال باعتباره عملاً متعباً، وإنما كنت أتعامل معه كنمط حياة، لأنني كنت أدرك طبيعة الصراع ومتطلباته وشروطه، لم يكن العمل النضالي بالنسبة لي هواية، وإنما كان مسؤولية وطنية وقومية كبرى، تحتاج إلى تحشيد الطاقة وتكثيف الوقت والعمل، وتوفير العقل
أم هو بسبب الأوضاع والإحباط والحالة العامة السيئة التي يعيشها الجميع؟! جوابي بالطبع كلا
إن أحد أهداف كلمتي هذه هو الإسهام في مواجهة الأسئلة الكبرى التي يطرحها الواقع، في محاولة للإسهام معكم للوصول إلى إجابات أو بدايات إجابات لمجابهة هذا الواقع السيئ

إذن مادام الأمر ليس كل هذا، فما هي الأسباب الحقيقية وراء مثل هذا القرار المصيري؟ بالنسبة لي كإنسان أسهم في النضال الوطني والقومي ومن موقع المسؤولية الأولى، سواء في أيام حركة القوميين ألعرب، أو أثناء مسيرة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؟
هناك سببان رئيسيان يقفان وراء قراري التاريخي هذا
أولاً: رغبة صادقة لدي تبلورت في أواخر الثمانينات بتقديم مثل ونموذج للآخرين، بأن الإنسان المناضل والقائد يستطيع أن يستمر في العمل والعطاء حتى بدون مواقع قيادية رسمية، هذا من جانب ومن جانبٍ آخر إعطاء مثل نقيض للحالة العربية والفلسطينية، والتي تتجسد في تشبث المسؤولين في مواقعهم مهما طال بهم العمر، حيث لا مجال لتداول السلطة إلا تحت وقع الموت أو الانقلابات. قد يبدو للبعض أن هذا الكلام جاء متأخراً، ومع ذلك فهذا سبب حقيقي، كان ينضج في فكري ويتبلور باستمرار، ولم يكن استمراري في منصبي كل هذه السنين بأي حال من الأحوال تحت ضغط الامتيازات، أو الحفاظ على المركز، أو تلبية نداء التمسك بالكراسي، بل كان نابغاً من نداء الضمير وواقع الجبهة وتطورها أولاً وعاشراً

ثانياً: في ضوء الوضع العام والإجمالي، أشعر وأدرك أنه من الأفضل لي في السنوات المتبقية من عمري، التركيز في عملي على مهمات وطنية وقومية، أعتقد أنها تحظى بمكانة محورية ومركزية في العمل الوطني والقومي أكثر من مهمة استمراري في الأمانة العامة، دون أن يعني هذا الكلام أي انتقاص أو مساس بهذا المنصب الذي يتطلب كل الجهد والطاقة والعطاء. ولكنني كجورج حبش وفي ظل الوضع المحيط والخاص أصبحت على قناعة بأنني سأفيد أكثر بإحداث هذه النقلة الجديدة في حياتي... دون أن يعني ذلك بأي حال من الأحوال الابتعاد عن الجبهة التي أعطيتها عمري ، أو عن العمل السياسي والمهمات النضالية الأشمل وطنياً وقومياً كما ذكرت
في ضوء ما تقدَّم، ما هي المهام والميادين التي أعتقد أنني وبما أملك من تجربة وخبرات وما تبقّى لي من عمر أستطيع العطاء فيها، ومواصلة النضال لكن بأشكال جديدة؟
هناك أولاً توثيق وتسجيل تجربة حركة القوميين العرب، وتجربة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتجربتي الشخصية والنضالية لتستفيد منها الأجيال القادمة

أيها الرفاق، إن ما عشته وراكمته طوال هذه العقود النضالية ليس بالأمر البسيط، وبالتالي فإن من حق الرفاق والأجيال القادمة أن تقف على مضامين ودروس هذه التجربة بكل ما حفلت به من نجاحات وإخفاقات. إذ لا يمكن لنا أن نقتحم المستقبل دون أن نكون قد قرأنا تاريخنا جيداً، ليس بهدف التسمر عند ذلك التاريخ، ولكن بهدف استثمار الخبرة والتجارب كشرط ضروري للتعامل مع المستقبل، فالحاضر هو امتداد نوعي للماضي وفي نفس الوقت هو المقدمات المادية والفكرية التي تؤسس للمستقبل. وبهذا المعنى فإن لديّ ما أقوله، وبإمكاني قوله بصورة أفضل وأنا متحرر من قيود المناصب القيادية، فقراءة التاريخ تشترط الموضوعية، وهذا غير ممكن مادام الإنسان منغمساً في تفاصيل الحياة الحزبية اليومية بكل أثقالها
وهناك ثانياً، مهمة تأسيس مركز للدراسات؛
عند استعراض تجربتي الماضية بصورة شمولية وبروح نقدية أشعر أن هناك العديد من الثغرات الجديدة التي رافقت تلك التجربة. فالأحزاب أحياناً، والأفراد أيضاً، وفي غمرة العمل والنضال والصراع والاشتباك المستمر، وخاصة في ظل صراع مثل الصراع الذي خضناه ونخوضه كشعب فلسطيني، تفقد إمكانية الهدوء والمراجعة، وإن حدثت المراجعة فإنها تجري في سياق الأحداث وتحت ضغط الانفعالات وحرارة الاشتباك، فتأتي جزئية أقرب إلى ردود الفعل منها إلى قراءة ومراجع نقدية في العمق... فعلى سبيل المثال، وبنظرة عميقة لتجربة الماضي، ورغم كل التضحيات والإنجازات التي راكمناها، وهي ليست قليلة، إلا أنها تجربة تميزت بتغليب الشعارات والعاطفة في مفاصل ومواقف كثيرة، هذه الشعارات ورغم صحتها ومشروعيّتها، إلا أنها لم تُقرن بشرط نجاحها وتحقيقها هو الأداة الحاملة لهذه الشعارات والساعية لتحقيقها

ومعروف علمياً أن شعارات الأهداف الإستراتيجية لوحدها غير كافية لإدارة الصراع وتحقيق الانتصارات، بل إن ذلك يشترط تكثيف استخدام العقل والفكر في تحليل حقائق وحركة الواقع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبما يشمل ليس فقط الذات كشعب وأحزاب، وإنما أيضاً متابعة للمتغيرات التي يعيشها ويراكمها الطرف النقيض لمعرفة أسباب وعناصر قوته وانتصاراته وعناصر ضعفه... وصولاً إلى موهبة الإمساك بالحلقة المركزية ومقدرة بناء الأداة الطليعية القادرة على حمل الفكر والبرنامج والشعار

من هنا، ترسّخت في ذهني وعقلي فكرة تأسيس مركز للدراسات، للمساهمة في مواجهة هذه الثغرات، دون أي مبالغة في أن هذا المركز سيجيب على كل الأسئلة، ولكنها خطوة، أعتقد أنها جديرة بالجهد والوقت، علماً بأن نجاح المركز مشروط بتوفر الإمكانيات المالية والفكرية والتنظيمية، وآمل أن أنجح في محاولتي لتوفير مقومات إنجاح هذا المشروع. وأنا أتعامل مع هذه المسألة كجزء عضوي مكمل للعمل الوطني السياسي والنضالي، وكجهد جديد يضاف إلى جهد المؤسسات العربية والفلسطينية المشابهة. مع إضافة ضرورية هنا وهي أن هدف هذا المركز سيتكثف في دراسة التجارب الوطنية والقومية السابقة، مع تركيز خاص على أسباب الإخفاق والهزائم، إلى جانب تركيز مماثل على تجربة الحركة الصهيونية وأسباب استمرارها وانتصارها

أما المهمة الثالثة: فمحورها العمل القومي، وهي ترتبط بالعمر والصحة، فإذا ما أتيحت لي سنوات أطول، وما دمت قادراً على العمل والفعل، فإنني لن أدخر جهداً في هذا الميدان

ولا أقصد هنا بطبيعة الحال تأسيس حزب جديد، أو العودة لحركة القوميين العرب، وإنما بذل الجهد العقلي والعملي لإقامة نواة جبهة قومية واسعة تواجه المشروع الأمريكي - الصهيوني في هذه المرحلة

تركيزي على هذا البعد ليس أمراً وجدانياً أو اعتباطياً، بل يعود إلى رؤية عميقة وقراءة تستند للواقع وموازين القوى، ومعرفة لطبيعة العدو ومشاريعه التي نجابهها، في فلسطين أو على مستوى الوطن العربي، وهنا تطرح أسئلة كبيرة ومتعددة تفرض التفكير والدراسة حول واقع الحال العربي، وخصوصاً ما يتعلق باستناد المشروع القطري لطاقته التقدمية منذ زمن، وتعرض منجزاته للضرب والتفكيك، وتحول برجوازيات المشروع الوطني الاستقلالي إلى برجوازيات تابعة كومبرادورية تدور في فلك المركز الإمبريالي، وضرورة الرؤية العلمية لأسباب الضعف وعوامل الاستنزاف الداخلي، وترابط الأهداف الوطنية والقومية ببعديها السياسي والاجتماعي انطلاقاً من أهداف المشروع الصهيوني، الذي يتجلى بنزعة توسعية جغرافية في فلسطين واقتصادية على الصعيد العربي، والهادف إلى فرض التطبيع العام بغرض تسرب روح الهزيمة وتحقيق الاختراق المتعدد الأشكال، الأمر الذي يفتر وبنفس القدر تحقيق شروط تفعيل ممكنات النهوض القومي، وإعادة الاعتبار لهذا البعد في الصراع ضد المشروع الصهيوني، وخاصة مناهضة التطبيع بما يمثله من ثقل وموقع في التخطيط ( الإسرائيلي) لاختراق العمق العربي سياسياً واقتصادياً وثقافياً


أيها الرفاق الأعزاء
هذه هي عناصر المحور الأول في كلمتي إليكم والتي تتناول دوري ومهامّي بخطوطها القادمة، وفي هذا المجال أود أن أقول لرفاقي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولأصدقائي ورفاقي في حركة القوميين العرب، والذين يعرفونني جيداً كما يعرفون أن الظروف الذاتية والموضوعية هي التي ستتحكم في قدرتي أو عدم قدرتي على على إنجاز هذه المهمات، ولكن الدافع الرئيسي وراء تسجيلي لهذه المهمات وطرحها عليكم إضافة لما سبق ذكره، هو أنني أريد أن تتحول هذه المهمات إلى دليل عمل لكم وللأجيال القادمة. وسأبذل من طرفي كل جهد ممكن على هذا الطريق، وأتمنى أن أملك القوة والوقت للسير نحو تحقيقها، أو بصورة أدق لضمان إطلاقها وإرساء دعئم استمرارها

المحور الثاني
يتركز حديثي في هذا المحور حول سؤال أساسي جوهره
ماذا مثلت الجبهة أثناء وجودي كأمين عام لها؟
لقد عشت تجربة الجبهة منذ إرهاصات تأسيسها الأولى وحتى اللحظة، عشتها منذ أيام صعودها، عشتها في أيام صعودها، وعشتها في لحظات الأزمات والصعوبات، فماذا كانت تعني الجبهة وفق رؤيتي؟
هل مثلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فعلاً قضية واحتلت مكانة مرموقة في وجدان وتاريخ الشعب الفلسطيني على مدار عمرها الذي يزيد عن اثنين وثلاثين عاماً؟
لقد مثلت الجبهة وفق حقائق التاريخ والواقع، بتضحياتها، بدماء شهدائها، وصمود أسراها، وعطاء أعضائها، ورؤيتها السياسية، وممارستها النضالية قضية كبيرة تجلت في التفاف قطاعات شعبية واسعة حولها على المستويين الفلسطيني والعربي. فلماذا كان هذا الالتفات، ولماذا احتلت الجبهة هذا المكانة المتقدمة في التاريخ الفلسطيني المعاصر؟ هل يعود السبب يا ترى إلى شخصية جورج حبش؟ قطعاً الجواب بالنفي. إذن هل السبب بعض العمليات العسكرية المعينة؟ أم بسبب طبيعة الحياة التنظيمية التي حكمت بنيتها الداخلية؟ أم بسبب طبيعة ومواصفات الكادر الذي شكل نموذجاً مميرزاً مقارنة بغيره؟ أم بسبب طبيعة العلاقة مع الجماهير...؟ أم هل يعود ذلك للهوية الفكرية للجبهة، والتي حاولت دائماً الربط الخلاق بين الوطني والاجتماعي، بين المرحلي والاستراتيجي، بين الوطني والقومي؟ أم هل يعود ذلك للتجربة المميزة للجبهة في ممارستها للقيادة الجماعية وإيجادها للمؤسسات الناظمة للعمل؟ أم غير ذلك؟
بعيداً عن التقليل من قيمة وأهمية هذه العوامل المذكورة، إلا أن هناك عواملاً أكثر أسياسية وجوهرية، فما هي هذه العوامل؟
وفق قناعتي ورؤيتي فإن العامل الأساسي في تميّز تجربة الجبهة الشعبية وخصوصيتها التي نالت كل هذا الإعجاب وهذا الدعم والتأييد، ولعبت كل هذا التأثير فلسطينياً وعربياً ودولياً، يعود بالأساس وبالدرجة الأولى إلى تشابك الخط السياسي الذي مثلته الجبهة مع المشروع الوطني التحرري بالخط القتالي... والسير في خطوات ملموسة في بناء الأداة التتنظيمية - الجذع الذي يحمل هذين الفرعين؛ وهنا أستذكر أ الثورات الحديثة التي أكدت عبر تجاربها وانتصاراتها المرموقه على هذا الجانب، وتحديداً في الصين وفيتنام، حيث لعب الخط السياسي دوراً حاسماً، إضافة بالطبع إلى الخط العسكري السليم المنسجم مع الخط السياسي
ورغم أهمية الخط العسكري وإستراتيجيته بالنسبة للتجربة النضالية الفلسطينية إلا أنني أود هنا التأكيد على الخط السياسي. والسبب في هذا التأكيد يعود إلى حقيقتين أفرزتهما التجربة الفلسطينية المعاصرة
أن الخط العسكري يأتي في صُلب الخط السياسي، أي أنه جزء مكون من الرؤية السياسية... وبالتالي إذا كانت الرؤية السياسية سليمة وعملية وثورية فإنها بالتأكيد ستمارس الشكل النضالي الملائم مع تلك الرؤية السياسية

إن إخفاق الحركة الوطنية الفلسطينية، وارتداد قيادتها الرسمية ممثلة بفريق أوسلو لا يعود بالأساس إلى اخفاقها العسكري، أو لغياب كفاحية قواعدها التنظيمية أو الشعبية، وإنما يعود في هذه لمرحلة إلى انهيار الخط السياسي لهذه القيادة، الذي تُوّج بانقلابها على البرنامج الوطني التحرري، وانخراطها في المشروع الأمريكي- (الإسرائيلي) للتسوية. اتصالاً بالتغيرات الطبقية - الفكرية – المعنوية - التي طرأت على النخب القيادية أولاً وقبل كل شيء آخر
ارتباطاً بذلك يبرز السؤال: ما هو الخط السياسي الذي انتهجته الجبهة الشعبية؟ وإلى أية درجة راكمت شروط القيادة الثورية المجسدة لهذا الخط؟
الخط السياسي التي سارت على أساسه الجبهة كما أراه، وأعطاها كل هذا التميّز، يتمثل بأربعة مفاصل رئيسية


المفصل الأول: امتلاك الجبهة لرؤية عملية واقعية للعدو وتحالفاته
وتبرز قيمة هذا الوعي بصورة أعمق عندما نستذكر حالة الخلط التي رافقت تجارب شعبنا التاريخية على هذا الصعيد، إبان العشرينات والثلاثينات والأربعينات. لقد طرحت الجبهة وبوضوح شديد فهمها ورؤيتها لمعسكر الأعداء، وكشفت الأسس الاقتصادية والسياسية التي تكمن وراء الحزب المعادي، وبينت خصائص المشروع الصهيوني كمشروع امبريالي استيطاني، كل هذا وسواه أوصلنا إلى استنتاج محوري مفاده: أن حالة الاشتباك التاريخي بيننا وبين المشروع الصهيوني ستتواصل وتستمر بحكم طبيعة التناقض الذي يحكم الصراع باعتباره تناقضاً تناحرياً حصيلته النهائية: إما نحن أو المشروع الصهيوني. هل هذه الرؤية مغامرة أو متطرفة أو غير واقعية كما يحلو للبعض وصفها في هذا الزمن، زمن الارتداد والانهيار؟ أم إنها رؤية علمية دقيقة وواقعية (لإسرائيل) وما تمثله هي وحلفائها باعتبارها ذراع امبريالي وجزء بنيوي من مشروع امبريالي تأسيساً مساراً وراهناً؟.( اسرائيل) التي قامت تأسيساً على أنها دولة للشعب اليهودي المسكين والمضطهد، دولة للشعب الذي تعرض للإبادة الجماعية، وإنها الحل الأمثل لما كان يسمّى بالمسألة اليهودية، ليأتي قيامها على حساب اضطهاد وطرد الشعب الفلسطيني من أرضه ووطنه، وعن طريق أبشع المذابح وعمليات الاقتلاع، لتنتهي راهناً وعبر تحالفها العضوي مع الامبريالية الأمريكية، دولة إقليمية عظمى تمتلك ما يزيد عن ٢٠٠ رأس نووي وجيش حديث يتفوق على الجيوش العربية مجتمعةً، وتشكل تهديداً ليس على الشعب الفلسطيني فقط، بل على الأمة العربية جمعاء، وعلى المنطقة بأسرها
إن نظرة جديدة وعميقة للصراع ولمخططات وممارسات ( إسرائيل) وسياستها تبين جوهر المشروع الصهيوني كمشروع استيطاني عنصري يستهدف الهيمنة السياسية والاقتصادية على فلسطين والأمة العربية وكل ذلك تحت مظلة عسكرية تستند إلى تفوقها المطلق سواء في الأسلحة التقليدية أو النووية، وبإسناد كامل من الولايات المتحدة الأمريكية. وبهذا المعنى يأخذ حل التناقض التناحري مفهوم حل الصراع على أساس التصفية السياسية للقضية الفلسطينية ولحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية والتاريخية وفرض الرضوخ والاستسلام على الأطراف العربية وإجبارها على التساوق مع المشروع المعادي والانزلاق فيه. غير أننا نعتقد، بالنظر إلى طبيعة التناقض التناحري ودوام الاشتباك التاريخي،أن المشروع التسووي لا يتعدى إدارة الأزمة دون حل لها ،بما يتيح للتحالف الأمريكي-( الإسرائيلي) تحقيق انتصارات ونجاحات توسعية استعمارية. وبالرغم من كثافة الحملة الإعلامية، العالمية والعربية، والتي تحاول ترويج العملية الجارية على أنها "عملية سلام"، هذه الحملة والتي تجد لها صداً وتأثيراً على شعوبنا العربية، في الوقت التي تثبت فيه حقائق التاريخ والواقع أن مايجري ليس سلاماً حقيقياً، بل تسوية مؤقتة بالمعنى التاريخي، لأنها تأتي في ظل التغييرات الدراماتيكية الهائلة التي عصفت بالعالم وبالوضع العربي في العقد الأخير من القرن الماضي، كما تأتي في ظل التحولات النوعية التي طالت القيادات الفلسطينية المهيمنة. ولأنها أيضاً تسوية لا تلبي الحد الأدنى من الحقوق المشروعة والتاريخية لشعبنا وأمتنا

قد تكون الجبهة في سنواتها الأولى ركزت على رؤيتها الإستراتيجية، ولكن من خلال التجربة التي توصلت إلى أهمية وضرورة الربط ما بين الإستراتيجيا والتكتيك السليم، حيث أكدنا باستمرار على الترابط الوثيق بينهما، ولكن في نفس الوقت لم نقوض أسس إستراتيجيتنا السياسية لصالح السياسة الجارية، وهذا ما عكسته وثيقة طرابلس التي أكدت على العلاقة الجدلية بين ما بين الاستراتيجي والمرحلي في النضال، ما بين البرنامج السياسي وإعادة البناء الديمقراطي لمؤسسات م.ت.ف

المفصل الثاني: رؤية وقناعة الجبهة بضرورة تحشيد الجماهير الفلسطينية بدون استثناء (الفئات، الشرائح، الطبقات)؛
وذلك استجابة لطبيعة ومهمات مرحلة التحرر الوطني، غير أن الجبهة كانت تحرص دائماً على أن تكون قيادة الثورة قادرة على حشد وتعبئة كل طبقات الشعب، كون هدفها هو المصلحة الوطنية العليا لعموم الطبقات، وحتى تتمكن من ذلك فإنها (أي القيادة) يجب أن تكون معبرة عن تلك المصالح وقادرة عن الدفاع عنها وحمايتها، وهذا غير ممكن عندما تكون القيادة فردية ونخبوية وتعبر عن مصالح الطبقة البرجوازية الكومبرادورية كما هو حاصل حالياً. من هنا كان تركيز الجبهة على أهمية أن تكون القيادة قادرة من حيث رؤيتها وفكرها وممارستها الطبقية على حماية مصالح وحقوق الشعب. وعندما كانت الجبهة تشعر بأن قيادة الثورة الرسمية أو السائدة تنحو بالثورة باتجاه الانكفاء على مصالحها الضيقة كما هو حاصل الآن، وتجيير النضال الفلسطيني واستثماره في خدمة الامتيازات والثراء غير المشروع للبيروقراطية المهيمنة المتحالفة مع البرجوازية الكومبرادورية التي تميل باستمرار للتضحية بمصالح الشعب والأمة لصالح أهدافها الطبقية الخاصة، كانت تتمرد وتثور في مواجهة تلك القيادة وخياراتها السياسية التفريطية

هذا ما يمثل موقف الجبهة عند انعقاد مجلس عمان عام ١٩٨٤ ورفضها المشاركة فيه، وهذا ما يفسر إقدامها على إقامة تشكيلات للمواجهة والممانعة مثل جبهة الرفض، والقيادة المشتركة، والتحالف الديمقراطي، ورغم أية انتقادات يمكن تسجيلها على مثل هذه التجارب، إلا أن الدافع وراءها كان باستمرار الشعور بالمسؤولية الوطنية، واستشعار جدية المخاطر التي تكمن في الخط السياسي للقيادة البرجوازية. وقد استطاعت الجبهة في بعض المراحل أن تلعب دوراً رئيسياً إن لم يكن الدورالرئيسي في فرض التراجع على تلك القيادة وإرغامها بالعودة عن مواقفها، كما حصل بالنسبة لاتفاق عمان في المجلس الوطني التوحيدي في الجزائر

إن ما نشهده الآن من حقائق ومآسي لحقت بالحركة الوطنية الفلسطينية والقضية الوطنية هو برهان حي على جدية هذه المسألة العملية، ولعل أحد أسباب إخفاقاتنا أننا لم نستطع عند اللحظة المناسبة أن نكون بمستوى ترجمة هذا الخط الصائب فأضعنا الفرصة التاريخية السانحة لمواجهة انحرافات البرجوازية وخط سيرها المتهافت سياسياً

وهذا التحدي يتواصل راهناً وتتضاعف قيمته يعد أن أصبحت تلك القيادة تملك سلطة وأجهزة أمنية في أرض الوطن، ومندرجة في مشروع سياسي متساوق مع مخططات وأهداف الاحتلال الإستراتيجية، إضافة إلى تبلور شريحة من السماسرة والوكلاء والمافيا المتحالفة مع القضية الرسمية التي أخذت تعزز سلطتها السياسية والأمنية بسلطة اقتصادية تابعة ومرتبطة بالاقتصاد (الإسرائيلي)، ناهيك عن الفساد والإفساد للمستشريين في هذه السلطة وأجهزتها المختلفة. دعوني ألمس الجرح، هل أصبنا دائماً في قرائتنا للقيادة اليمينية وخط سيرها، أم أن تفاوت اجتهاداتها الداخلية قد أضعفت قراءتنا العلمية وصوابية تحليلنا، فكنا نعارض وننقد ولا نلبث أن نخفف وتيرة النقد ونتحد تحت لواء القيادة اليمينية، هذا يتطلب مراجعة وتقييم. وأكبر مثال هو ما يجري الآن حيث خيار القيادة اليمينية الواضح ارتهانها الواضح، ومع ذلك تم ويتم، في بعض الأحيان، ممارسة تكتيكات خاطئة، باعتقادي تساهم في إضعاف صدقية موقفنا

المفصل الثالث: ترابط العمل الوطني الفلسطيني مع العمل القومي العربي؛
والذي يعكس رؤية الجبهة لخصوصية الصراع وموازين القوى وللبعد القومي كحاضنة للبعد الوطني، أما الصيغة التنظيمية لهذا الترابط فقد شهدت حراكاً دائماً امتد على مساحة التجربة النضالية -حركة القوميين العرب، حزب العمل، التفكير في جبهات قومية متعددة لقد كان هذا المفصل حاضراً باستمرار في رؤية القيادة والكادر والقاعدة، وهو مفصل ميّز باستمرار برامج وسياسات الجبهة ومواقفها دون أن يعني ذلك عدم ظهور أو وجود أخطاء وتقصيرات عديدة رافقت هذه المسيرة في تجاربها ومحطاتها المختلفة، وخاصة على مستوى الممارسة العملية التي لم ترتق إجمالاً إلى مستوى استحقاق عملية الربط ما بين البعدين الوطني والقومي، من هنا فإن أحد أهم أسباب الهزيمة التي يعيشها شعبنا الفلسطيني الآن يكمن في عدم الإمساك الصحيح بهذه المعادلة الأساسية في علاقة الوطني بالقومي، الأمر الذي توَج في أوسلو بفصل القضية الفلسطينية عن عمقها القومي العربي. حريّ هنا إبراز خلل كبير يتمثل في طغيان الطابع الفلسطيني على عملنا في العقدين الأخيرين إلى درجة عدم إنفاق جهد يتوازى مع أهمية الخط القومي الشعبي، فيما نلمس بجلاء تعذر انتصاراتنا دون عمل عربي شعبي، في الوقت الذي كان يتوجب فيه أن لا نكف عن الحوار والتنسيق مع كل التيارات التي تشاركنا الهم والهدف

المفصل الرابع: البعد الدولي؛
حيث سعت الجبهة نظرياً وعلمياً لحشد أوسع إطار دولي لنصرة القضية الفلسطينية إلى جانب بعديها الفلسطيني والعربي، وذلك إدراكاً منها لحجم معسكر العدو وما يملكه من إمكانات. هذا الخط كان يعكس أيضاً رؤيتها لوحدة معسكر الثورة على المستوى العالمي ونتيجةً لهذا الخط شكلت الجبهة وعلى مدار سنوات عنواناً جاذباً حيث التحق بها المناضلون من مختلف الجنسيات والبلدان. لقد كانت مدرسة ثورية استطاعت إقامة شبكة علاقات تحالفية واسعة النطاق، تتبادل العون والمساعدة مع حركات التحرر القوى التقدمية والديمقراطية على المستوى العالمي
واليوم صحيح أن المعسكر الدولي المناصر لقضيتنا قد تعرّض لزلزال عنيف ومدمّر بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، إلا أن ذلك لا يلغي ولا يمس جوهر هذا الخط، فقوى الثورة والتقدم لا يمكن أن تنتهي مهما كانت قساوة الهزائم والتراجعات، بل وفي عصر العولمة الرأسمالية بقيادة القطبية الأمريكية، حيث السيطرة على السوق الدولية ونهب ثورات بلدان المحيط عبر اتفاقيات الجات وخليفتها منظمة التجارة العالمية والمديونية المتسارعة والتبادل اللامتكافئ، المصحوبة بثورة تقنية وهيمنة إعلامية وتفكيك للمشروع القومي والمجتمع المدني، كلها تستدعي تساند وتعاضد القوى والطبقات الشعبية، وهنا يتوجب علينا نقد أنفسنا على إفراطنا في الراهن على الاتحاد السوفييتي السابق والتأثر المبالغ فيه بمدرسته النظرية

ولهذا علينا التأكيد على صحة هذا الخط نظرياً وعملياً، ولكن آخذين بعين الاعتبار حقائق الواقع الجديد وما برز منه من أشكال جديدة للعمل والفعل. والإمكانيات على هذا الصعيد قائمة وموجودة وبإمكاننا أن نخاطب هذه القوى الصديقة بالاستناد لقرارات الشرعية الدولية، بهدف استعادة فاعلية البعد الدولي المساند لقضيتنا في مواجهة حالة التفرد الأمريكي في رسم وفرض المخططات على شعبنا وأمتنا

هذه في تقديري أهم العوامل التي جعلت من الجبهة قضية مميزة في تاريخ الشعب الفلسطيني المعاصر، والآن هل فقدت هذه العوامل صحتها وحيوتها؟ وهل بالإمكان استعادة دور الجبهة ومكانتها بدون إعادة تحديد هذه المفاصل الرئيسية التي ميزت خط الجبهة السياسي على مدار سنوات نضالها؟
إنني على قناعة تزداد عمقاً سواء بالمعنى الفكري أو كدروس للتجربة بأن هذه النواظم تشكل معياراً واختباراً في العمق إذا ما أردنا أن تغادر الجبهة دوائر ركودها وتراجعها وأزمتها نحو الفعل والمبادرة والتجدد واستعادة ثقة الحركة الشعبية بها وبمشروعها الوطني والقومي التحرري


المحور الثالث
المرحلة السياسية الراهنة
إني أدرك بأن الحديث حول اللحظة السياسية الراهنة متشعب وواسع، ولهذا فإنني سأركز على الجوانب الأساسية. بطبيعة الحال لا يمكن علمياً تناول الأحداث والمتغيرات السياسية بدون رؤية إطارها الدولي والمتغيرات التي يشهدها العالم ككل، وتلقي بظلالها على كافة نواحي الحياة. هذه المستجدات والظروف التي يمكن تكثيفها بكلمة واحدة: العولمة
والعولمة مسألة كبيرة تمتد تأثيراتها لتشمل كافة الجوانب والميادين، فهي مفهوم شمولي له أبعاد وتجليات اقتصادية، سياسية، واجتماعية، إيديولوجية وثقافية، والأمثلة على ذلك كثيرة، وقد تضمنتها نظرية نهاية التاريخ لفوكوياما وشهد عليها الانهيار الاقتصادي في دول جنوب شرق آسيا والحصار المفروض على العراق وكوبا وضرب كوسوفو... الخ. إذن نحن أمام ظاهرة كونية يحاول عبرها الرأسمال العالمي والأمريكي خصوصاً فرض معاييره وقيمه وشروطه على العالم أجمع
في ظل هذا الوضع يمكن إدراك طبيعة المشروع الأمريكي للتسوية في الشرق أوسط الجديد. واختباره الأول( إسرائيل) - الأردن- مناطق السلطة

في الذهن أيضاً أن هذه الكلمة ليست كلمة سياسية شاملة، لأن هذا من مهمّات وموضوعات المؤتمر الوطني، ولكن من حقي وواجبي أن تناول الموضوع السياسي بهدف التأكيد على بعض الجوانب الهامة ارتباطاً بالرؤية السياسية الراهنة

فما هي أبرز معالم رؤيتي للحظة السياسية الراهنة ارتباطاً باتفاقات أوسلو وانتهاءً باتفاق "واي ٢" و"شرم الشيخ"؟
إن الساحة الفلسطينية والعربية فيها خندقان واضحان لمن يريد أن يرى ذلك
خندق أمريكا، أي خندق الإمبريالية والصهيونية و(إسرائيل)، ويؤسفني هنا القول أن القيادة الرسمية لـ م.ت.ف قد انضمّت لهذا الخندق بعد اتفاق أوسلو، مع إدراكي ووعيي للتناقضات القائمة بين تلك القيادة الرسمية و(إسرائيل)، ولكنها تناقضات أخذت شكل التعارضات الثانوية، التي يمكن حلها والتعامل معها تحت السقف والرعاية الأمريكية. وما يزيد الأمر سوءً أن الاختلال في رؤية حقيقة قوى هذا المعسكر المعادي أصبح سائداً عند العديد من القوى والأفراد، الأمر الذي يشوه قراءة التناقضات وإدارة الصراع، ويخلق وعياً مزيفاً ووهماً عاماً بأن الصراع قد انتهى أو أنه على طريق الانتهاء. هذا ما نجد تعبيره في مرادفات الخطاب السياسي السائد والمهيمن حل النزاع، العملية السلمية، التطبيع، التعايش، إن( إسرائيل) أصبحت نهاية حقيقية في المنطقة، المصالح المشتركة... الخ)
في ضوء كل هذا، وفي ضوء حقائق الواقع، وطبيعة الأهداف الأمريكية- (الإسرائيلية)، هل هذا صحيح؟ هل تغير فعلاً مشروع الحركة الصهيونية من حيث الجوهر أم أن من تغير هو من تخلى عن أهداف شعبه وأمته عبر الرضوخ والقبول بمعادلات القوة والإنصياع لإرادة الحزب المعادي؟
يقابل ذلك الخندق الذي يعبر عن مصالح أهداف الجماهير الفلسطينية والعربية، خندق الصمود والمقاومة، خندق قوى الثورة التي تواصل طريق الحرية والاستقلال لتحقيق أهدافنا العادلة. الخندق الذي يسعى لتحقيق مصلحة كل طبقات الشعب الفلسطيني، الخندق الذي يعرف
حقيقة (إسرائيل) والصهيونية وحقه في النضال المستمر حتى دحر الصهيونية بالكامل

الخندق الذي يؤمن يأن الدولة وتقرير المصير والعودة أهداف مرحلية وليس نهاية المطاف أو الصراع، وبالتالي فإنه يواصل النضال لتحقيق الدولة الديمقراطية العلمانية، الخندق الذي تؤمن قواه السياسية والاجتماعية بضرورة أن تكون هذه الدولة العلمانية جزء من مشروع إقامة المجتمع العربي الجديد، الخندق الذي يقدم حلاً إنسانياً وديمقراطياً للمسألة اليهودية

صحيح أن هذا الخندق يمرّ في هذه المرحلة من الضعف والارتباك، ولكن هذا الحال مؤقت كون شعبنا الفلسطيني وجماهير أمتنا العربية تموج بالتناقضات ولن يستطيع أحد خداع أو السيطرة على كل هذه الملايين للأبد

هذا الخندق بكل ما له وعليه يجب أن يكون خندقاً كجبهة شعبية، رغم أنني أدرك جملة الصعوبات التي تعاني منها الجبهة وتعترض مسيرتها، وأعتقد أن مهمّة المؤتمر الوطني أن يعيد التأكيد على موقع الجبهة في هذا الخندق وأن يرسم شروط استعادة الجبهة لدورها المبادر والفعّال على هذا الصعيد


بعد هذا التأكيد لنحاول الآن استقراء المخطط المرسوم من قبل معسكر العدوّ (أمربكا وإسرائيل) للقضية الفلسطينية بهدف تصفيتها يدرك الحلف المعادي حقائق الواقع ويدرك حجم وعمق حالة الاختلال التي يعيشها العالم والمنطقة في المرحلة الراهنة، كما يدرك تهافت القيادة الرسمية الحالية لتحقيق أية منجزات في ظل قيادتها ومهما كان الثمن وخاصة تحقيق شظايا دولة اسمية وهمية مع بعض الشكليات (حرس شرف، بساط أحمر، أجهزة أمن الرئاسة..)، المهم أن تؤمن مصالحها في الهيمنة الاقتصادية كوكلاء الاحتكارات الأمريكية و(الإسرائيلية)، إنها تسعى بسرعة لبلورة مصالح الطبقة البرجوازية الكومبرادورية وضمان مكانة متواضعة لها في خارطة الأخطبوط الرأسمالي العالمي كخادم وسمسار له. ولهذا فليس من مصالحها الآن الصراع مع معسكر الأعداء تدرك (إسرائيل) وأمريكا هذه الحقائق كلها، وبالتالي يقولون لتلك القيادة حسناً فليكن هناك دولة! هذا نظرياً، أما عملياً فما يحدث هو إعادة انتشار على جزء بسيط من مساحة الضفة وغزة مقطعة الأوصال ودون سوق موحدة مع استمرار قضم الأراضي الفلسطينية

ولكن عن أي دولة يتحدثون؟ هنا تبرز ثلاثة قضايا كبرى يجب أن ندقق بها

• هذه الدولة ستكون دولة مقابل التنازل عن أجزاء واسعة من الضفة وغزة بما في ذلك القدس.• هذه الدولة ستكون مقابل التخلي عن حقوق أربعة ملايين لاجئ فلسطيني في الشتات. • هذه الدولة ستكون في الواقع بلا سيادة، إنها دولة كاريكاتورية بمعنى أنها لا تملك السيادة على الحدود فعلياً، ولا تملك الحق في استثمار مواردها الطبيعية وخاصة المياه، ولا تملك الحق في تعزيز قواها الدفاعية، ولا يحق لها إقامة أحلاف لا توافق عليها( إسرائيل)، ولا أيضا أن لا يمس قيام هذه الدولة المشاريع الاستيطانية الصهيونية. وبالتالي قطع الطريق على مشروع الدولة بمقوماتها السيادية والتنموية وروابطها العربية. إنها مجرد معازل ملحقة بالاقتصاد( الإسرائيلي) وجسر للسلع و
لثقافة (الإسرائيليتين) والأمور هنا لا تقرّرها النوايا الحسنة أو براعة المفاوضين أو الألاعيب والمناورات الساذجة. إن حسم هذه القضايا مرتبط بموازين القوى، وقد رأينا ومنذ مؤتمر مدريد عام ١٩٩٠ وحتى اليوم كيف أن مجمل عملية المفاوضات تقوم بالأساس على أرضية مختلفة لصالح (إسرائيل)، حيث تمكنت وبإسناد أمريكي كامل من فرض مرجعية قوتها كأساس للمفاوضات بعد أن رفضت الالتزام بالشرعية الدولية
هذا هو واقع الحال دون رتوش وألوان زاهية، وفي هذا السياق فإنني أعرف تماما مختلف المناورات التي سيطلقها عرفات لتمويه هذه الحقائق المرّة والترويج لخياره السياسي باعتباره الممر الإجباري الوحيد، وبأنها خطوة تمهد لخطوات لاحقة هدفها النهائي التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني
إنني أدرك إمكانية المساومة في لحظة ما، ولكن من يخوض في غمار المساومة بقناعة وبرنامج وطني، يجب عليه أن يؤمن باستمرار ويعزّز دائماً عناصر قوّته. ولكنني أعرف، وخندق الثورة يعرف، أن إقامة الدولة وفق السياق الذي أتيت على ذكره جاء لتمرير الصفقة، ويشكل غطاءً لها

ذلك مجرد الالتحاق بأوسلو وإلغاء الميثاق وتجويف م.ت.ف وما توالد من أجواء إحباطية وتشكيك بجدوى النضال وفقدان اليقين وقوة المثال ومحاولة ضرب الذاكرة التاريخية، واستبعاد فصائل العمل الوطني الفلسطيني من قوى وشخصيات وجماهير، وضرب التنسيق العربي الرسمي في مدريد، والقبول بمرجعية القوة، والرعاية الأمريكية، هو في جوهره تخلي وضرب للبرنامج الوطني وخذلان للحركة الشعبية وأهدافها الوطنية. الأمر الذي لا يمكن تفسيره إلا بأنه انتقال للخندق الآخر. وإلا كيف نفهم كل هذا التراجع والتنسيق والتشارك السياسي- الاقتصادي- الأمني مع الاحتلال


أنا أعرف كل هذه الظروف والملابسات والتفاصيل ومحاولات التبرير، ولكنني في نفس الوقت أعرف وأدرك النتائج العملية لما يجري، كما يدرك ذلك الكثيرون غيري، وخاصة السواد الأعظم من أبناء شعبنا الفلسطيني في الوطن والشتات الذين باتوا يلمسون حجم الخسائر وحجم التنازلات التي طالت عمق مشروعهم الوطني التحرري. وعليه يتعين تحديد موقف سياسي صحيح وصريح حول القيادة اليمينية يقوم على قاعدة والابتعاد عن التذيل لها أو السماح لها باحتواء الموقف الآخر تحت أية ذرائع. مع استبقاء الباب مفتوحاً لأية تقاطعات ميدانية ونضالات مشتركة يجري توظيفها فعلاً بما يخدم المشروع التحرري بعيداً عن المسار التسووي ونهج السلطة وتكتيكاتها. وفي ذات الوقت الاستمرار بالتحريض الشعبي وتعبئة الجماهير لمواصلة المشروع التحرري، فهدف التسوية الجارية تدمير الأهداف الوطنية الفلسطينية لا تحقيقها

كما يجب رؤية المتغيرات الجارية نحو فرض الشرق أوسطية بإقامة العلاقات القائمة على نهب الثروات وفرض التبعية، وخاصة
بين( إسرائيل) بإمكاناتها السياسية – الاقتصادية – التكنولوجية، وبين الأردن ومناطق السلطة الفلسطينية، حيث تتطلع الأولى لمزيدٍ من النهب والتوسّع وشراء أسهم الشركات وتصدير سلع تكنولوجية، ناهيكم عن إتمام التطبيع الاستسلامي الذي يرى في( إسرائيل) جاراً طيباً وفي أمريكاً صديقاً للعرب، وفي التوسّعية (الإسرائيلية )علاقات تجارية...إلخ؛ الأمر الذي يقتضي منا بناء وتوحيد أداتنا التنظيمية - السياسية والارتقاء بها إلى المستوى الذي يمكنها من أن تكون قادرةعلى ترجمة هذه الشعارات السياسية
عُقد المؤتمر الوطني السادس للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في دمشق، في تموز عام ٢٠٠٠

Saturday, February 21, 2009

الارض بتكلم عربي


Monday, February 16, 2009

جورج حبش أو الرجل الذي صارت رايته شاهداً لقبره



محمد نعيم فرحات


طوبى لمن ذهبوا إلى حتفهم دون أن يهنوا، وحملوا راياتهم حتى الرمق الأخير رغم عسف الدروب وتحولاتها


قلما اجتمعت الصدقية وصفاء المرجعية الأخلاقية ونصاعتها والرهافة والحساسية في رجل، كان مشغولا بالسياسة وينتمي لتاريخ صعب وملتبس، مثلما اجتمعت هذه القوة في شخص جورج حبش وسلوكه. ويتعلق الأمر هنا، بشخص قام من صميم "عذابات شعب لا تطاق" ومن رهاناته التي تعودت على أن تعيد إنتاج نفسها من وسط الانكسار والخيبة والخذلان. وقد تفوق حبش في هذه الخاصية على كل أبناء جيله. وفي صلب أوضاع وإحداثيات وحراك مركب، كان جورج حبش يسير فيها صعودا ونزولا، تحمله وترافقه خصلة جوهرية ظلت تلازمه حتى لما بعد مثواه الأخير، إنها خصلة صدقية الموقف: سواء كان هذا الموقف مناسبا سياسيا و أيديولوجيا أم لا. لقد أفصح حبش عن هذه الصدقية في كل الظروف والأحوال، وقدما مع الزمن لم تعد الصدقية عنده محض خصلة رفيعة وعالية فقط، لأن حبش حولها لأيقونة في حياته. وعندما ضاقت المقاربة الفلسطينية بنفسها وبقدرتها على بلورة رؤية مناسبة للمشاكل والحلول. وتاهت هنا أو هناك. غادر جورج حبش تردي المسرح السياسي الفلسطيني، ولكن ليس إلى: اللامبالاة أو الإستقالة من الدور، أو نحو راحة ما، كانت متاحة بكل حال، بل غادر إلى قواعده الأولى، ووضع رهانه هناك، في إطاره الطبيعي والتاريخي والقدري معا. محور الرهان على عروبة أصيلة بنسقيها الإسلام الأصيل والمسيحية الشرقية الأصيلة. وعلى مدار العقدين الأخيرين وجدنا جورج حبش، المنسحب من صخب الحضور الفلسطيني، صاحب حضور كبير وهادئ ومتأمل هناك، حيث تستقر الرهاناتالقادرة على إحداث التغير والتحولات. * * * ثمة رجال يستحقون من الحياة أكثر مما نالوا، بيد أن للأقدار ترتيباتها التي قد تعارض أقدار الرجال وحاجة الزمن لهم، وفي اللعبة المستحيلة تأخذ الأقدار الرجال الحقيقيين دائما في لحظة يكون واقع الحال بحاجة ماسة لحضورهم، وهكذا كان الأمر مع جورج حبش الذي كان المرض في تجربته إحدى أشكال انفعالات الوعي والجسد العضوي مع إختياراته، لذلك أخذ شكل الجرح البليغ في معركة الوجود، أكثر مما أخذ معناه البيولوجي، كتوتر أو كخلل بنيوي ألم بجسده. إن انفعال الوعي هو الذي أحدث المرض عند جورج حبش، فعبر عن نفسه في خارطة الجسد، ورغم أن المرض قد أقعدهحركيا على نحو ما، إلا أن إرادته وعزيمته تفاقمت بالمرض، وواصلت توقدها كما يليق برجل مثله وبمثل معناه، رجل كان يعبر عن نفسه بحماسة وانفعال هائلين، صارا بعد جرح المرض، بسالة يمكن الوقوف عليها، في ملامح الوجه والحركة وأعماق الموقف والاختيارات. كما أن هناك رجال يصعب تعويضهم، بيد أن معناهم وما تركوه من دلالات وصور ورمزيات في الذاكرة والوجدان يجعلهم حاضرين على الدوام، وهنا يمكن العثور في نحو بالغ اللياقة وملئ بالأريج، على قوة النفس والمعنى التي يتحلون بها، وهؤلاء هم القليلون الذين يجعلون الذاكرة موطن البحث عنهم، وربما عاد جورج حبش إلى نفسه راضيا على نحو ما، من حقل السياسة والتباستها، بيد انه ذهب إلى مثواه الأخير متجنبا بعناد هائل ليس الرداءة بل أيا من مشتقاتها. وفي هذا الصدد، لا يعود من المهم التساؤل عما إذا كانت طموحات وأحلام جورج حبش وجيله لم تحقق في حدود حياتهم،لأن تحقيق اغلبها يفوق قدرة أجيال متعاقبة، وطالما كان من المهم بالنسبة لهذا الجيل، أن يَحلم ويراهن ويعمل من أجل ذلك، في مجال تاريخي طاحن وشرس، تضمن قتل (حتى) الخيالات في رؤوس الحالمين بالانعتاق (وهذا لا يعفيهم بكل حال من المسألة عما كان يجب عليهم أن يفعلوه)،. لقد كانوا حالمين يندرج خيارهم (في ظرفه وزمانه، وفي بعض جوانبه) في سياق الجهاد الرفيع. وكان أعلى الصابرين منهم، أولئك الذين صانوا حلمهم ورهاناتهم في مجابهة واقع أحكم الدوائر فوق رؤوس المظلومين. وأما أن ينكسر مشروع تاريخي ما أو يتراجع، فهذا من معهود الواقع والتاريخ، ولكنالفكرة الأصيلة والقناعة بها وإمكانية تحققها في التاريخ فهي غير قابلة للهزيمة مهما تعثرت. وإذا كانت مقاربات جورج حبش وأقرانه قد انكسرت، إلا أن روحه لم تنكسر (وإن كانت أنهكت) وعندما جاء آخرون وتجاوزوا انكسار قدرة الفلسطينيين في مرحلة ما، وجدنا جورج حبش هناك دون أن يبدل راياته أو ينفصل عنها. * * * فيما يشبه انتقاما قدريا،ها أن الموت يطوي كبار الفلسطينيين واحدا تلو الآخر، ويودعهم الثرى، وسط تفاقم مأساتهم ومعاناتهم وانكسار ما في الروح والوعي، وانفتاح العذاب على أفاق شاسعة، تتحالف فيها الظروف الموضوعية مع المساهمات الذاتية التي يبديها الفلسطينيون في إبداع المأزق الوجودي من الداخل أيضا، وفي هذه اللحظة بالذات فقد خذلنا الموت لأنه ذهب بجورج حبش إلى الحياة الأخرى في لحظة حرجة، فيما خذلنا (نحن) حبش لأنه مضى متألما مما نفعله بأنفسنا، ولأن مصدر تفاؤله فينا يمضي في طريق صعب، بينما يبدو تفاؤله أيسر عند آخرين غيرنا؟ بيد أن أمرا مهما حمله جورج حبش من ضمن مقتنياته الثمينة هو اعتقاده الراسخ بالرهان على غد مختلف عن الأمس واليوم. وطوبى لمن ذهبوا إلى حتفهم دون أن يهنوا، وحملوا راياتهم حتى الرمق الأخير رغم عسف الدروب وتحولاتها، وطوبى لرايات وجدت مستقرها فقط على شواهد قبور حامليها

Thursday, February 12, 2009

مسيرة الآمال والآلام


د. ماهر الطاهر


في السادس والعشرين من شهر يناير (كانون الثاني) عام 2009 تمر الذكرى السنوية الأولى لرحيل القائد العربي الكبير، الأب والمعلم والصديق والرفيق الحميم الدكتور جورج حبش مؤسس حركة القوميين العرب قبل ستة عقود، ومؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قبل أربعة عقود

مسيرة طويلة ورحلة شاقة ومعقدة حافلة بالكفاح البطولي الصادق والأمين، حافلة بالإنجازات والإخفاقات بالتقدم والتراجع، غنية بالدروس والاستخلاصات والعبر

إنها مسيرة الآمال، والآلام التي جسدت مسيرة شعب مكافح، وعملاق، لا يعرف اليأس والخنوع وجسدت مسيرة أمة ترفض الذل والخضوع مسيرة الآمال، والآلام نحو تحرير فلسطين، ودحر الغزوة الصهيونية الاستيطانية الاستعمارية التي حولت حياة الشعب الفلسطيني إلى جحيم وشردته في كل أصقاع الأرض

آخر الكلمات التي سمعتها منه في غرفة العناية المشدّدة في مستشفى الأردن قبل يوم من رحيله وكان في كامل وعيه، سؤاله عن أخبار قطاع غزة والحصار المفروض على أهلنا هناك

لم أكن أرغب الحديث معه في السياسة لكي لا أثقل عليه، وتحدثت معه ببعض القضايا ولفترة قصيرة، وقلت له يجب أن ترتاح وخرجت ولكنه نادى الطبيب الموجود في الغرفة وطلب إليه أن يعيدني لمواصلة الحديث وسألني ما هي أخبار قطاع غزة؟ فقلت له يجب أن ترتاح، لكنه أعاد السؤال مرة أخرى، ولما أخبرته أن الناس اقتحموا المعبر ابتسم وبدا السرور في عينيه قائلاً: ممتاز، ممتاز، سيأتي اليوم الذي تزول فيه الحدود بين الدول العربية ويتحقق حلم الوحدة

نعم أيها الحكيم: ها هم أبناء شعبك العظيم يوحدون جماهير الأمة من المحيط إلى الخليج، لتخرج إلى الشوارع في كل العواصم مؤكدة أن

نعم أيها الشهيد القائد: ها هم أبناء شعبك العظيم في قطاع غزة الصمود والانتصار يحاصرون الحصار مؤكدين للعالم أجمع أن المقاومة مستمرة لن ترضخ ولن تستسلم مهما كانت الظروف والشدائد والتضحيات. ومؤكدين أن الوحدة الوطنية الفلسطينية ستبقى مطلبهم، إنهم

جورج حبش لم يكن يفكر إلا بفلسطين وشعبها ولم يكن يفكر إلا بالأمة العربية ومستقبلها حتى آخر لحظة من حياته
نعم، فقدت فلسطين وفقدت الأمة العربية والإسلامية، وأحرار العالم كله رجل كان من أغلى الرجال وأصدق الرجال وأشجع الرجال، بقي قابضاً على المبادئ كالقابض على الجمر، رغم كل الظروف والتحولات والعواصف

التقيت الدكتور جورج حبش للمرة الأولى في بيروت عام 1972 وكنت قادماً من سوريا

كان نحيل الجسم وقد تعافى من أزمة قلبية ألمت به في ذلك العام
دار حوار حول أمور سياسية وتنظيمية داخلية

يأسرك هذا الإنسان الكبير بشخصيته الجذابة والكاريزما الهائلة التي يمتلكها

يتحدث إليك وكأنك تعرفه ويعرفك منذ زمن طويل

تفاجأ بمدى تواضعه ودماثة أخلاقه وتهذيبه وحبه للاستماع إذ يعطيك الفرصة للحديث ويستمع بإصغاء وانتباه شديد، وفي نهاية الحديث سألني كم عمرك؟ قلت تسعة عشرة عاماً، فقال هل أنت طالب جامعي؟، قلت: نعم، فقال: يا بني إن جيلكم والأجيال الفلسطينية القادمة ستكون أكثر وعياً وخطورة من جيلنا لأننا عندما كنا في عمركم لم نكن بمستوى وعيكم ولم نكن نتحدث ونعرف السياسة كما تعرفونها اليوم سألته: متى ستتحرر فلسطين يا حكيم؟ فكر لبرهة من الوقت ثم قال: يمكن أن تكون فلسطين محررة في عام 2000 وفي كل الأحوال هذا يعتمد عليكم أنتم جيل الشباب

وأتذكر أنني اتصلت به تلفونياً، وكان في عمان في شهر 12 عام 2007 بمناسبة الذكرى الأربعين لانطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لتهنئته بالمناسبة، وذكرته مازحاً بهذا الحديث الذي جرى قبل 35 عاماً، فقال ضاحكاً: القضية أعقد ما كنا نتصور وحجم التآمر أكبر مما كنا نعتقد، وأمراضنا الداخلية في الساحة الفلسطينية كثيرة، وأضاف إن تحرير فلسطين قادم وأن المشروع الصهيوني يسير نحو الزوال، المهم أن يتم استخلاص الدروس، أين أخطأنا وأين أصبنا، المهم أن نجيب على السؤال المركزي الكبير لماذا أخفقنا حتى الآن ونكون صادقين مع أنفسنا ومع شعبنا وأمتنا

بعد اجتياح لبنان عام 1982 والخروج من بيروت وانتقال مركز قيادة الجبهة الشعبية إلى دمشق، عملت معه بشكل مباشر ويومي لسنوات طويلة وتعرفت بصورة عميقة على مكونات شخصيته الآسرة تتعلم منه كل يوم أشياء جديدة، لا يعرف المستحيل ويؤمن بأن الجماهير طاقة لا حدود لها
متفائل بشكل دائم، منظم إلى أبعد الحدود، متسامح إزاء الأخطاء الصغيرة ولكنه قاس إزاء الأخطاء المسلكية التي تتعلق بالنزاهة والاستقامة بسيط جداً في حياته اليومية، لا يحب البهرجة والحراسات والاستعراضات، ويعتقد بأن حماية القائد يمكن أن تتم بدون ضجيج جورج حبش لا يعرف اليأس والتراجع، بقي مؤمناً حتى آخر لحظة من حياته أن تحرير فلسطين مسألة وقت وأن المشروع الصهيوني يحمل بذور فنائه من داخله وأن بقاء هذا الكيان مرتبط بحالة الضعف والتفكك العربي والفلسطيني

ذات مرة وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي سأله صحفي أمريكي بنوع من الخبث، دكتور جورج، ماذا ستفعلون الآن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وبعد أن اعترفت بعض الدول العربية بإسرائيل، هل لا زالت أهدافكم وأحلامكم قابلة للتحقيق؟
نظر إليه الحكيم، وقد لمعت عيونه قائلاً: أهدافنا سوف تتحقق، هل نسيت أن هناك (350) مليون عربي يرفضون وجود الكيان الصهيوني، هل نسيت أن هناك مليار وأربعمائة مليون مسلم يرفضون وجود هذا الكيان؟ فقال له الصحفي: لكن أنت مسيحي، فأجابه الحكيم: أنا فلسطيني وعربي ومسيحي وخلفيتي إسلامية، وهذا الوطن سنحرره وهذا المشروع الصهيوني لن يكتب له البقاء بعد عدوان تموز عام 2006 على لبنان وصمود المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله لمدة (33) يوماً واندحار الجيش الصهيوني وقصف حيفا وما بعد حيفا اتصل الدكتور جورج حبش تلفونياً وهو بحالة ابتهاج وسرور لا يوصف قائلاً: أرجو أن تبلغ تحياتي وقبلاتي لسماحة السيد حسن نصر الله وتقول له: إن الحكيم على امتداد مسيرته الكفاحية كان يتمنى الفوز بالشهادة، ولكنني الآن أحمد الله الذي أطال بعمري لأرى صواريخ المقاومة اللبنانية الباسلة وهي تقصف حيفا ويافا وعكا والناصرة. إن يوم النصر قريب وهزيمة هذا الكيان إمكانية واقعية إذا توفرت إرادة الصمود والمقاومة وإذا توفرت القيادة المخلصة والصلبة المؤمنة بعمق بعدالة قضيتها وسلامة أهدافها

وأتذكر أثناء حصار بيروت عام 1982 زارنا في موقعنا العسكري في منطقة الفاكهاني في صباح اليوم التالي الذي أعقب القصف الصهيوني العنيف لمدينة بيروت براً وبحراً وجواً والذي استمر ثمانية عشرة ساعة متواصلة حيث تغيرت معالم المدينة البطلة، وكان يسير بين الأنقاض والبيوت والمكاتب المهدمة، وإذ بأحد الصحفيين الأجانب يقترب منه ويسأله: دكتور جورج ماذا يوحي لك هذا القصف وهذا الدمار؟ وأجاب قائلاً: المزيد من حب السلام، المزيد من حب الأطفال، المزيد من الحقد على العدو المجرم والمتوحش، المزيد من الإصرار والإيمان والتفاؤل لمواصلة القتال ضد الظلم والقهر والعدوان. وأضاف قائلاً: إن ما تشاهده هو خير دليل على ضعف وتوتر وقلق هذا العدو الصهيوني الذي يسير عكس تيار التاريخ والذي لا يمكن التعايش معه ومع دوره ووظيفته الاستعمارية الغاشمة

غياب جورج حبش ليس إلا حضوراً من نوع جديد، ولا نكتب عن الحكيم في الذكرى السنوية الأولى لرحيله لتكريم تقتضيه المناسبة، أو وفاء لرجل ثائر، وقائد تاريخي متميز وشجاع، بل نكتب لأننا نتمسك بالقيم والأهداف والمبادئ السامية التي عاش واستشهد في سبيلها ليس الحكيم موضوعاً للرثاء لأنه حاضر فينا بكل قوة، ملهماً ومعلماً وقائداً وثائراً ورمزاً تتجسد فيه أسمى وأنبل قيم العطاء والتضحية والإخلاص والتفاني والوفاء
آمن بأن العمل لفلسطين والوحدة العربية لا حدود له، وأن الكفاح لا معنى له، إذا لم يتجسد بالممارسة والسلوك اليومي، وأن الثورة والعمل الوطني لا يحتمل الفساد والإفساد والمهادنة والتنازلات، وأن الكلمة الصادقة والنهج السياسي الثوري السليم لا يعرفان التلفيق والتفريط

جورج حبش جسد جملة من الدروس والمعاني العميقة، وكان مدرسة سياسية وفكرية وأخلاقية ومسلكية، ما أحوجنا إليها في هذا الزمن الصعب الذي نقل فيه البعض البندقية من كتف إلى كتف وتعب من النضال ومواصلة الطريق الشاق الذي يحتاج إلى رجال صدقوا ما عاهدوا به شعبهم وأمتهم

لقد خرجت الناس في وداع جورج حبش يوم رحيله قبل عام على امتداد أرض الوطن، في المحتل من أرضنا عام 1948، وفي الضفة والقطاع والقدس، وفي كل مواقع اللجوء والشتات في سوريا ولبنان والأردن وعلى امتداد الأرض العربية وفي المنافي البعيدة في أمريكا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، وكل هذا كان يعبر ببساطة شديدة عن تمسك الناس والجماهير بقضيتها وتمسكها بمبادئها وأهدافها العادلة لأنها رأت في جورج حبش الضمير الحي المعبر عن النهج السياسي المبدئي السليم

عندما خرجت الجماهير معبرة عن الوفاء لهذا القائد الفلسطيني والعربي الكبير، فإنها كانت تؤكد تمسكها بثوابتها وحقوقها الوطنية غير القابلة للمساومة والمقايضة وخاصة حقها في العودة إلى أرضها وديارها التي هجرت منها قسراً عام 1948

لم يكن الدكتور جورج حبش سياسياً محترفاً، بل كان مناضلاً صادقاً يريد أن يستعيد وطنه ليعيش شعبه بكرامة على أرض هذا الوطن

قبل حصول النكبة عام 1948 لم يكن يميل إلى السياسة كان يحب الموسيقا والسباحة وكان طالباً متفوقاً ذهب إلى بيروت ليكون طبيبا، ولكن الجريمة الكبرى، جريمة اقتلاع الشعب العربي الفلسطيني من أرضه ودياره بقوة السلاح والإرهاب وتزوير حقائق التاريخ أحدثت صدمة كبيرة وعميقة في تفكيره وقلبت مجرى حياته رأساً على عقب

شاهد الناس وهي تخرج من مدينة اللد إلى المجهول وشاهد المآسي والإرهاب الصهيوني الذي لا يوصف فقرر الرد على ما جرى وهذا ما جعله مع رفاقه يؤسس حركة القوميين العرب وبعد ذلك الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لأنه شعر أن من واجب كل فلسطيني وعربي أن يرد على الجريمة

كان ديمقراطياً إلى أبعد الحدود، يكره القيادة الفردية ويكره الاستئثار، وكان يقول دائماً إن العقل الجماعي هو الذي يمكن أن يقدم الفكرة الصائبة
ورغم كل مكانته كقائد تاريخي مؤسس وقائد عملي أول للجبهة الشعبية وهيبته وحب رفاقه له وشخصيته الإنسانية المؤثرة، إلا أنه كان يلتزم بقرارات الهيئات القيادية إذا تعارضت في بعض الأحيان مع قناعاته الشخصية، ولذلك كان من أهم إنجازاته أنه بنى وأسس حزباً ديمقراطياً تحكمه المؤسسات والقيادة الجماعية

كان عاطفياً إلى أبعد الحدود وصادقاً بكل معنى الصدق، تسيل منه الدموع عندما يلتقي والدة شهيد أو جريح

إن كل التحولات والتطورات في فكر وحياة جورج حبش خلال العقود الستة الماضية كانت من أجل فلسطين.
البوصلة تحرير فلسطين، الفكر من أجل فلسطين، السياسة من أجل فلسطين، التنظيم من أجل فلسطين

كان واضح الرؤية، عميق التفكير ملتصقاً بشكل كامل بأهداف شعبه وأمته

مرت تجربته النضالية العربية والفلسطينية بمنعطفات كبيرة وتطورات عديدة، ولكن على الرغم من كل التطورات والتحولات فإن تجربة

سلامة الخط السياسي من خلال التأكيد على حقيقة الكيان الصهيوني ككيان عنصري إجلائي استيطاني مرتبط بالإمبريالية، يمثل أسوأ ظاهرة استعمارية في هذا العصر لا يمكن التعايش معها أو التسليم بوجودها

ترابط النضال الوطني الفلسطيني مع النضال العربي وأن قضية فلسطين قضية عربية، صحيح أن إبراز الشخصية الوطنية الفلسطينية كنقيض للمشروع الصهيوني الذي يستهدف تبديد وطمس الهوية الفلسطينية أمر هام وضروري، ولكن في ذات الوقت لا بد من التأكيد على قومية المعركة، وترابط النضال الوطني الفلسطيني الوثيق والجدلي مع نضال أمتنا العربية

أهمية بناء جبهة عريضة على المستوى الفلسطيني والعربي تضم كافة التيارات والاتجاهات الفكرية والسياسية المناضلة والمكافحة، القومية واليسارية والإسلامية لمواجهة المشروع الصهيوني الاستعماري الذي يستهدف المنطقة بأسرها. وتغليب المصالح العليا للشعب والأمة على أية مصالح فئوية أخرى

ترابط كافة أشكال النضال وفي طليعتها المقاومة المسلحة كأرقى شكل كفاحي وخيار استراتيجي تفرضه طبيعة العدو العنصري الاستيطاني الذي نواجهه، لكن دون التقليل من أهمية كافة الأشكال النضالية الأخرى

أهمية وضرورة الربط الدقيق والواضح بين الاستراتيجية والتكتيك وعدم جعل التكتيك ينتهك الاستراتيجية أو يضرب مرتكزاتها وثوابتها أهمية الربط بين النضال الوطني والقومي التحرري والنضال الطبقي الاجتماعي، لأن معركة التحرر الوطني ليست معزولة عن بعدها ومضمونها الاجتماعي
ضرورة الحفاظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية باعتبارها السلاح الضروري في مرحلة التحرر الوطني لمواجهة العدو الصهيوني، وأهمية التعددية الفكرية والسياسية والاحتكام للخيار والحوار الديمقراطي في معالجة التناقضات الداخلية 8- أهمية ترابط وتكامل حلقات النضال الفلسطيني والعربي والأممي في مواجهة المشروع الإمبريالي الصهيوني الذي يشكل خطراً على الإنسانية بأسرها

لا شك أن مسيرة القائد الكبير الدكتور جورج حبش سيكتب عنها الكثير لأنها مسيرة حافلة بالدروس والاستخلاصات، مسيرة الآمال والآلام التي عاشها الشعب الفلسطيني منذ عقود طويلة

وكما قال شاعرنا الكبير الراحل محمود درويش في كلمة بمناسبة ذكرى الأربعين لرحيل الحكيم: رحل جورج حبش في عام النكبة الستين، دون أن يشفى من جراح النكبة، لا لأنها كانت تراجيديا تاريخية كبرى.. بل لأنها ما زالت مستمرة

حكيم الثورة الفلسطينية..عام على رحيله



د.صلاح عودة الله


في مثل هذه الأيام قبل عام من الزمن كانت الفاجعة..انه يوم السبت 26 كانون ثاني عام 2008-انه السبت المشؤوم-..اتصل بي أحد الرفاق ليخبرني بأن الحكيم غادرنا وبدون رجعة..لم أستوعب ما قاله..لقد كان مجهشا في البكاء..بعد مرور دقائق من إنهاء مكالمته وبعد أن فهمت وأدركت ما أصابنا لم أتمالك أعصابي وأجهشت بالبكاء..إنها نفس الدموع التي سالت من عيناي عندما اتصل بي أحد الأقارب ليخبرني بأن والدي-رحمه الله- قد غادرنا وبدون رجعة أثناء تأديته مناسك الحج في الديار المقدسة ليدفن هناك..أقمنا له بيت عزاء رغم وجود الجسد بعيدا عن ثرى القدس الخالدة..تماما كما فتحت بيوت العزاء لحكيم الثورة وضميرها الراحل الدكتور جورج حبش في شتى بقاع المعمورة رغم رحيله ودفنه في الأراضي الأردنية..نعم,لقد فجعت برحيل الأب العضوي والذي أوصلني إلى ما وصلت إليه الآن, تماما كما فجعت برحيل الأب الروحي والفكري..الأب والقائد والمعلم..عملاق المناضلين الفلسطينيين والثوريين العرب والعالميين..مؤسس حركة القوميين العرب ومن بعدها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

الرفيق الراحل لم يكن قائدا للجبهة الشعبية فحسب، بل هو أحد أهم الرموز النضالية، وفكره ومسيرته هي ملك الشعب الفلسطيني في كل مكان والإنسانية التقدمية المناضلة والشريفة كلها. لقد كان الحكيم قائداً وطنياً وقومياً صلباً في الدفاع عن الثوابت الوطنية وعن وحدة منظمة التحرير الفلسطينية، وعن مشروعها الوطني.. معتبرا نزيف الدم الفلسطيني محرم وخط احمر لا يجوز تجاوزه.. لقد شكل الحكيم صمام أمان للمواقف الفلسطينية، وأعطى للنضال الوطني بعداً قومياً وأممياً سيبقى بوصلة للمناضلين وأحرار العالم، وكرس حياته من أجل فلسطين ووقف في وجه كل دعاة الانقسام والمساس بمنظمة التحرير ومشروعها الوطني. هذا القائد الكبير الذي غيبه الثرى ونحن بأمس الحاجة إليه.. كان في أحلك الظروف الصحية وقبل رحيله يتحدث لزواره عن حصار غزة ووجوب رفع هذا الحصار الظالم عن شعب فلسطين، وكانت وصيته لعائلته ولقيادة الجبهة الشعبية الذين توافدوا على مشفاه، التمسك بالثوابت الوطنية ومواصلة الكفاح والمقاومة وتحقيق الوحدة الوطنية كشرط أساسي للانتصار وتحرير فلسطين

أحد الأشخاص الذي قام بزيارة الحكيم في المستشفى قبل وفاته بوقت قصير، أخبره واصفًا جرأة الشباب الفلسطيني من مختلف الأحزاب السياسية وقد دمروا لتوهم جدران غزة محررين نحو 2 مليون إنسان من سجن لا يطاق..حبش، وقد استمع إلى ذلك، تبسم وقال في غمرة من المرح, أترى؟ سوف يأتي اليوم الذي تسقط فيه هذه الجدران وتتحقق الوحدة العربية..نعم يا حكيمنا..هذه المقاومة الفلسطينية الباسلة والتي آمنت بها كطريق وحيد لتحرير فلسطين كل فلسطين تصد العدوان الصهيوني الغاشم في حرب استمرت قرابة ثلاثة أسابيع..أول حرب على أرض فلسطين..ثلاثة أسابيع لم يستطع العدو من احتلال غزة وقمع المقاومة..كل ما قام به هو تدمير البنية التحتية وقتل ألأطفال والنساء والشيوخ..حرب استخدم فيها العدو كل ما يملك من أسلحة تعتبرمن الأكثر تطورا في العالم..حتى تلك المحرمة دوليا..ولكن المقاومة صمدت صمود الجبال, ليعلن بعدها العدو وقف الحرب من جانب واحد..إنها هزيمة لجيش امن كل الوقت بأنه لا يقهر..وها هي المقاومة الفلسطينية

الباسلة بكل أطيافها تقهر هذا الجيش الذي لا يقهر
ومما يثير الدهشة يا حكيمنا أننا لم نشهد تأييدا ودعما للمقاومة الفلسطينية كالذي شهدناه مؤخرا..الملايين وفي كل أنحاء المعمورة تظاهروا مؤيدين لأبناء شعبك الفلسطيني محليا وعربيا ودوليا, معربين عن سخطهم من هذا العدو الغاشم ومطالبين بتقديم قادته الى المحاكم الدولية لأنهم قاموا بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية..ولكم من المخزي أن نرى معظم القادة العرب وأنظمتهم الرجعية المتخلفة كتخلفهم يقومون بقمع المتظاهرين المؤيدين لشعبنا البطل والمدينين للعدو الصهيوني..حتى أن سلطة أوسلو قامت بإصدار أوامرها بقمع أبناء شعبنا في الضفة الغربية الذين تضامنوا مع إخوانهم في غزة هاشم..هل تصدق ذلك يا حكيمنا؟..الزعيم الفنزويلي يطرد سفير الكيان الصهيوني من بلاده احتجاجا على المحرقة التي يرتكبها هذا الكيان بحق أبناء شعبنا وبوليفيا تقطع العلاقات الدبلوماسية معه والأمثلة كثيرة..إلا الزعماء العرب,


أيها الحكيم..لعلك سمعت ـ إذا كان الموتى يسمعون ـ هدير أنصارك وعارفي فضلك، في ميادين فلسطين وأزقتها، حين بلغهم نبأ رحيلك:"جورج حبش ما بيموت..لو حطيتو في تابوت"..هل لي أن أعزيك، بما أنا في أمس الحاجة إليه، من العزاء؟ فليكن. ولعل شيئاً من العزاء في أن صورة قلبك ستظل نابضةً في قلب شعبك..وأن رسالتك الثورية الشريفة العنيدة، رسالة الحرية والاستقلال وتقرير المصير، غير قابلة للموت، أو أنها غير مستعدة للموت وغير مهيأة له

رحل الرفيق القائد والأب والمعلم.. و«اللد» لم تضمه بعد للمرة الأخيرة كما حلم يوما..رحل الرفيق.. والحلم يبقى تركة ثقيلة في ليل طويل ينتظر..كان الرحيل متوقعا..لكن الرجفة أخذتنا لفراق أب لن يتكرر..!. أيها الرفيق..يا جرحي المكابر..لا أقول وداعا..وكيف أقولها وأنت لا تزال فينا..لم تغادر. أبا ميساء: نم قرير العين، فالقضية التي ضحيت من أجلها لازالت تتلألأ متوهجة في أحداق عيون الملايين من أبناء أمتك، تحميها سواعد وبنادق أبناء شعبك في الكتائب والسرايا والقوى العربية المقاتلة في العراق ولبنان من أجل تحرير الأرض والإنسان..ياحكيمنا:إن غاب جسدك عنا، فروحك الكفاحية تملأ هواءنا وأرضنا، فالثوريون لايموتون
وأختتم بما قاله الشاعر الفلسطيني البارز سميح القاسم:«ولنعترف بأن حياتنا كلها صعبة..وكم كانت حياتك صعبة عليك..وكم هو موتك صعب علينا..ولأنني مرهق بحياتي ومرهق بموتك، فلك أن (تشخص) وجعي أيها الحكيم (الحكيم)..ولك أن تعذر كلماتي الأخيرة فيك، على سمع العالم وتحت بصره: هنيئاً لك أيها العالم الوبش..هنيئاً لك الموت الفلسطيني بالتقسيط المريح..وشكراً لك أيها العالم الوبش

شكراً جزيلا

ومن مدينة القدس المحتلة الخالدة والتي قام أبناؤها بمشاركة إخوانهم في غزة من خلال مظاهرات الدعم والتأييد ورغم الحصار الشديد والحواجز العسكرية الصهيونية التي لا ترحم..مدينة الدكتور الرفيق والأخ الراحل أحمد المسلماني «حكيم القدس» الذي رحل عنا وفي نفس الشهر ونفس العام الذي رحلت فيه وهو في قمة العطاء, نقول لك وداعا أيها الحكيم